في الإصحاح العاشر من إنجيل مرقس، نقرأ عن حادثة شفاء الأعمى على طريق أريحا، تلك القصة المؤثرة التي تتكشف أحداثها بتسلسل جميل، والتي تبدأ بصرخة غير عادية، وتنتهي بتغيير حياة كاملة، سنتطرَّق إليها الآن.
كان يسوع مارّاً في أريحا، تلك المدينة المزدهرة الواقعة على طريق أورشليم، حيث كان الحجَّاج يمرُّون باستمرار. وبين هذا الزحام والحركة، كان هناك رجل أعمى يدعى بارتيماوس، يجلس على قارعة الطريق ويستعطي من الناس. وفي لحظة مرور يسوع، سمع الأعمى جلَبة الناس وضجيج الجموع، فبدأ يسأل من حوله عمَّا يحدث، لأنه لا يقدر أن يرى بنفسه. فقيل له إن يسوع الناصري مارٌّ من هناك. وما إن سمع اسم يسوع، حتى بدأ يصرخ: “…يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي” (مرقس 47:10). لم تكن هذه الصرخة عادية، بل كانت صرخة إعلان إيمان واضح، إذ إنَّ وصفه ليسوع بِـ”ابن داود” كان اعترافاً منه بأن هذا هو المسيح الملِك الآتي من نسل داود، القادر وحده على الشفاء والتغيير.
لكن الناس الذين كانوا حوله انتهروه ليَصمُت، لكنَّ توبيخهم له لم يُسكته بل زاده إصراراً، فراح يصرخ أكثر “…يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي” (مرقس 48:10)، وهنا نرى جوهر الإيمان الحقيقي، فعندما يدرك الإنسان حاجته بصدق، لا يسمح لصوت الإحباط أو الرفض أن يُسكته، إنما يتمسَّك برجائه حتى النهاية.
في تلك اللحظة توقف يسوع وسط الزحام وقال لمن حوله أن يأتوا إليه بالذي يصرخ، فنهض الأعمى سريعاً وخلع رداءه الذي كان على الأرجح كل ما يملك، واندفع نحو الصوت الذي يحمل رجاءه الوحيد.
التفت إليه يسوع وسأله: “مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ لَكَ؟” (مرقس 51:10). كان يسوع يعلم احتياجه، لكنه أراد للأعمى أن يُعلِن طلبه بنفسه، وأن يُعبِّر عن احتياجه بإيمان واضح وصريح.
فأجاب الأعمى بلهفة وصدق: “يا سَيِّدي، أن أُبصِر!”. لم يطلب مالاً ولا مساعدة مؤقتة كما كان يفعل طيلة حياته، بل طلبَ الشفاء الكامل لأنه كان يوقن أن المسيح قادر على تغيير حياته من جذورها.
فقال له يسوع: “اذْهَبْ! إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ. وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَ يَسُوعَ فِي الطَّرِيقِ” (مرقس 52:10). في تلك اللحظة تحوَّلت حياته من ظلمة طويلة إلى نورٍ جديد، ومن عجزٍ وضعف إلى قوة ورجاء.
لم تكن تلك المعجزة مجرد استعادة بصر، إنما بداية جديدة للسَّير مع يسوع واتِّباعه. وهكذا نرى أن الإيمان الحقيقي لا يقف عند حدود الاحتياج، بل يقود الإنسان إلى حياة جديدة مع المسيح. فبارتيماوس لم يكتفِ بأن ينال بصره ويذهب في طريقه، إنما اختار أن يتبع يسوع ويُلازمه بعدما اختبر رحمته وقدرته.
هذه القصة لا تزال إلى يومنا هذا تحمل رسالة حية لكل إنسان، بأن الرب يسمع صرخة القلب الصادقة ويستجيب لمن يأتي إليه بإيمان وثقة، ويحوِّل اليأس إلى رجاء، والضعف إلى قوة، والظلمة إلى نور.
مقالات مُشابِهة
من هي مريم المجدلية؟
أندراوس، التلميذ المبادر
أقوال مسيحية شهيرة

