أحياناً، قرار صائب في لحظة حرجة قد يُغيِّر مصير ويُبدِّل مجرى حياة… وهذا ما حصل مع رامي.
في إحدى ليالي الشِّتاء العاصفة، كان رامي طالب السَّنة الأخيرة في كُلِّيَّة الطِّب البيطري، جالساً في بيته حين طرقَ بابه رجلٌ يصرخ بيأس: “زوجتي الحامل تموت… إنَّها في السيَّارة، أرجوك يا دكتور ساعدها، فطريق المستشفى مقطوع بسبب الثُّلوج، وقابلة القرية اضطرَّت للذَّهاب إلى القرية المجاورة منذ يومين، ساعدها وسيُكافئك الله خيراً على عملك”.
تجمَّد رامي في مكانه، فهو ليس طبيباً بشرياً، ولم يسبق له معالجة البشر، وخلال لحظات من التردُّد أدركَ أنَّ ما سيفعله قد يُدمِّر مستقبله. فإن كُشِف أمره، لن يتخرَّج، وربَّما يُطرد من جامعته. لكن توسُّلات الرَّجُل الذي انحنى راكعاً أمامه وصراخ المرأة القادم من السيَّارة دفعاه إلى المحاولة.
فهرعَ إليها بشجاعة، ثمَّ تمتمَ بِاسم الرَّب وأدخلها إلى البيت وراح يُساعدها بخبرة محدودة وإيمانٍ كثير، وبعد لحظاتٍ طويلة مرَّت كأنَّها دهر، انطلقت أوَّل صرخة للطِّفل، وهدأت أنفاس الأُم. كانت هي وطفلها بخير. ولم يُخبر رامي أحد بهذه الحادثة.
جزاء المعروف
مرَّت العديد من السَّنوات، وتبدَّلت الكثير من الظُّروف. ورامي الذي أصبح رجلاً قديراً، وجد نفسه في أزمة ماليَّة كبرى نتيجة مرض زوجته الشَّديد، فهي بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة لا يملك تكلفتها. جلس في أروقة المستشفى حائراً يائساً يُحدِّث نفسه: “إلى أين أذهب يا رب؟ لقد ضاقت بيَ السُّبل.”
وفي اليوم التَّالي اقتربَ منه شاب بلباسِ طبيب وقال له: “هل أنت الدكتور رامي؟” فأجاب بخوف: “نعم، هل حصل شيءٌ ما لزوجتي!” فابتسم الطبيب بهدوء وقال: “لا يا سيِّدي، اِطمئن، أنت لا تعرفني لكنَّني أعرفك منذ صغري وأسمع والديَّ يُخبرانني عنك، أنا ذلك الطِّفل الذي ساعدتَ أُمَّه على ولادته حين كان طريق المستشفى مقطوعاً، والقابلة في قرية أخرى، وقد وهبني الله الحياة على يديك. واليوم بعد أن علمتُ بمرض زوجتك، دعني أردُّ لكَ بعضاً من الدَّين، سأهتمُّ أنا بتكاليف عمليَّتها وأُتابع حالتها حتَّى تُشفى بإذن الله”.
أغمض رامي عينيه، وانحدرَت دمعة ساخنة على خدِّه، ثمَّ تمتمَ بصوتٍ مُتهدِّج: “ما أعظمكَ يا رب… فإنَّك لا تنسى إحساناً قُدِّم، ولا خيراً زُرِع، بل تردُّه مُضاعفاً في أوانه”.
العبرة
الخير الذي تزرعه سوف يعود إليك بطُرقٍ لا تتوقَّعها. وهذا ما تعِدُنا به كلمة الله:
“اطْرَحْ خُبْزَكَ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ، فَإِنَّكَ تَجِدُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ.” (سِفر الجامعة 1:11)
مقالات مُشابِهة
البحث عن الحقيقة
عدالة السماء
قصة سارة

