King Saul regretting mistakes

البعض يظنُّون أنَّهم غير محتاجين لاستشارة الله في أُمورهم الحياتيَّة وقراراتهم المصيريَّة، ويعتقدون بأنَّهم قادرون على فعل ما يشاءون وقتما يريدون، وأنَّهم مستعدُّون لتحمُّل نتيجة اختياراتهم سواء كانت سلبيَّة أم إيجابيَّة. لكن ماذا عن المؤمنين بيسوع المسيح الذين اختبروا تعامُلات الرَّب في حياتهم؟ هل من الممكن أن يتَّخذوا قرارات خاطئة ويبتعدوا عن مشيئة الله؟ وما هي الضَّريبة التي قد يدفعونها نتيجة هذا الابتعاد؟

في الواقع نعم وهذا الأمر ممكن، إذ نجد في الكتاب المقدَّس العديد من الأمثلة عن شخصيَّات كتابيَّة ابتعدت عن مشيئة الله بعد أن اختبرَت تعاملاته الكثيرة، ومعظم هؤلاء الأشخاص تابوا وتعلَّموا من أخطائهم، لكن البعض منهم استمرَّ بارتكاب الأخطاء والابتعاد عن مشيئة الله تحت ذرائع عدَّة، كالمَلِك شاوُل بِن قيس الذي سنتحدَّث عنه اليوم والذي جلبَ الدَّينونة على نفسه ودفعَ مُلكهُ وحياتهُ ضريبةً لابتعاده عن مشيئة الله.

Samuel in Arabic with desert background

شاول والابتعاد عن مشيئة الله

في سِفر صموئيل الأوَّل يخبرنا النَّص كيف أمرَ الرَّب صموئيل النَّبي بأن يمسَح شاوُل بِن قيس مَلِكاً على بني إسرائيل دون أن يكون لشاوُل أيّ فضل في ذلك، وكيف تعاملَ الله مع شاوُل ونصَرهُ على أعدائه في الكثير من المرَّات التي كان يستمع فيها لصوت الرَّب. لكنَّه وفي فترة لاحقة من حياته لم يُطِع الرَّب بل تصرَّفَ بحسب أفكاره البشريَّة، ممَّا أفقدَهُ امتيازاته كمَلِك وقائد وأودى به في النِّهاية إلى موته مع أفراد عائلته في إحدى المعارك، ليذهب المُلك من سُلالتهِ ويُعطى إلى النَّبي داوُد بن يسَّى.

في الكثير من الأحيان يمتحن الله المؤمنين ويختبر صبرهم، ويكون هذا الامتحان عبرَ تركِهم في ظرفٍ صعب لفترة من الزَّمن بهدف أن يُصقَل إيمانهم وينمو، ولكي يتعلَّموا الثِّقة بالله والاتِّكال عليه حتَّى ولو كانت الظُّروف من حولهم تدفَعهم للتَّصرُّف بعكس ذلك. وهذا ما حصل حين صعَّبَ الله إحدى المعارك على بني إسرائيل واستعصى عليهم الانتصار بها لأيَّامٍ عديدة، حتَّى بدى لهم الأمر وكأنّهم على وَشك الهزيمة، ممَّا ثبَّطَ عزيمة الجيش وأرسى الخوف والشَّك في قلوبهم وفي قلب قائدهم شاوُل المَلِك.
“وَاحْتَشَدَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِمُحَارَبَةِ إِسْرَائِيلَ بِقُوَّةٍ تَتَأَلَّفُ مِنْ ثَلاَثِينَ أَلْفَ مَرْكَبَةٍ حَرْبِيَّةٍ، وَسِتَّةِ آلافِ فَارِسٍ وَجَيْشٍ كَرَمْلِ شَاطِىءِ الْبَحْرِ فِي كَثْرَتِهِ، وَتَجَمَّعُوا فِي مِخْمَاسَ شَرْقِيَّ بَيْتِ آوِنَ. وَعِنْدَمَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ حَرَجَ مَوْقِفِهِمِ اعْتَرَاهُمُ الضِّيقُ، فَاخْتَبَأُوا فِي الْمَغَاوِرِ وَالأَدْغَالِ وَبَيْنَ الصُّخُورِ وَالأَبْرَاجِ وَالآبَارِ. وَاجْتَازَ بَعْضُ الْعِبْرَانِيِّينَ نَهْرَ الأُرْدُنِّ إِلَى أَرْضِ جَادٍ وَجِلْعَادَ. أَمَّا شَاوُلُ فَظَلَّ فِي الْجِلْجَالِ مَعَ بَقِيَّةٍ مِنَ الْجَيْشِ مَلأَ قُلُوبَهَا الذُّعْرُ.” (صموئيل الأوَّل 5:13-7)

كان على صموئيل الكاهن أن يأتي إلى حيث يُعسكِر الجيش، ليقدِّم ذبيحة للرَّب ويطلُب منه تدخُّله في المعركة وانتصار شعبه، وذلك بحسب اتِّفاق سابق بين صموئيل وشاوُل. ولأنَّ الكاهن كان يُمثِّل الله، فمجيء صموئيل كان سيُعطي معنويَّات للجيش المُتقلقِل ويُشدِّد من عزيمته ويزيد من ثقته بأنَّ الله سيتدخَّل معهم وينصرهم على أعدائهم. لكنَّ صموئيل تأخَّر عن الموعد المُتَّفَق عليه ولم يأتِ، وقد استخدمَ الرَّب هذا التَّأخير عن قصد ليمتحِن فيه شعبهُ وخاصَّةً شاوُل القائم عليهم مَلِكاً.

“وَمَكَثَ شَاوُلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي الْجِلْجَالِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ صَمُوئِيلَ بِمُوْجِبِ اتِّفَاقٍ سَابِقٍ. وَعَنْدَمَا تَأَخَّرَ صَمُوئِيلُ عَنِ الْحُضُورِ وَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ عَنْ شَاوُلَ، قَالَ شَاوُلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ الْمُحْرَقَةَ وَذَبَائِحَ السَّلاَمِ». وَقَرَّبَ الْمُحْرَقَةَ. وَمَا إِنِ انْتَهَى مِنْ تَقْدِيمِهَا حَتَّى أَقْبَلَ صَمُوئِيلُ، فَخَرَجَ شَاوُلُ لِلِقَائِهِ لِيَتَلَقَّى بَرَكَتَهُ.” (صموئيل الأوَّل 8:13-10)

بحسب الشَّريعة كان تقديم الذَّبائح حِكراً على الكهَنة، ولا يَحق لأيّ أحد غير الكاهن أن يمثِّل الشَّعب أمام الله. وشاوُل مع كل بني إسرائيل كانوا يعلمون بذلك، لكنَّ شاوُل حين شعرَ بتأخُّر صموئيل اختارَ أن يقدِّم الذَّبيحة بنفسه كاسِراً وصيَّة الله التي يعرفها أصلاً ومُظهِراً بذلك ضعف إيمانه وعدم ثِقته بوعود ومواقيت الرَّب. عِلماً أنَّ القادة في تلك الأيَّام كان يجب أن يكونوا قدوةً حسَنة أمام الشَّعب في الالتزام بتقديس اِسم الله وطاعة وصاياه، لا أن يُخالفوا الشَّريعة على مرأىً من الجميع ويكونوا سبباً في معثِرتهم وجَعلِهم يستهينون بوصايا الرَّب. لكن هذا التَّصرُّف الخاطئ من شاوُل كلَّفهُ الكثير، وحرَمهُ من النِّعم والبرَكات التي كان الله مُنعِماً عليه بها. فحالَما انتهى شاوُل من تقديم الذَّبيحة، أتى صموئيل ورأى ما فعلهُ شاوُل ووبَّخه على تسرُّعه وكسرهِ للوصيَّة وعدم انتظاره لتوقيت الله، وأخبرهُ بأنَّ الله سيَسحَب المُلك منه ومن نسلهِ إلى الأبد.

Saul son of Cis

“فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لَقَدْ تَصَرَّفْتَ بِحَمَاقَةٍ، فَأَنْتَ قَدْ عَصِيتَ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلَهِكَ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا. وَلَوْ أَطَعْتَهُ لَثَبَّتَ مُلْكَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ. أَمَّا الآنَ، فَلأَنَّكَ لَمْ تُطِعْ مَا أَمَرَكَ الرَّبُّ بِهِ فَإِنَّ مُلْكَكَ لَنْ يَدُومَ…” (صموئيل الأوَّل 13:13-14)

لم يتُب شاوُل توبة حقيقيَّة، بل في كلّ مرَّة كان يتصرَّف بحماقة أكثر بدلاً من العودة إلى الله بقلبٍ صادق، وقد أظهرَ في مواقف عديدة من حياته عصيانه لله وتمرُّده على وصاياه، ابتداءً من تقديمه للذَّبيحة التي لم تكُن من اختصاصه بحسب الشَّريعة، مُروراً بغيرته من داوُد وكُرهِه الشَّديد له ومحاولاته الكثيرة لقتله، وأخيراً باستشارته للعرَّافة وطلبهِ منها بأن تُحضِّر له روح صموئيل النَّبي الذي كان قد مات أصلاً، مع العِلم أنَّ شاوُل كان يعرف أنَّ الرَّب حرَّمَ التَّعامل مع الجِنّ والأرواح تماماً، لكن حجَّة شاوُل كانت أنَّه يريد أن يعرف من روح صموئيل التي ستُظهرها له العرَّافة كيف ستكون نتيجة الحرب التي يخوضها، والتي خَسِرَها وقُتِلَ فيها بطريقة بشعة هو وأولادهُ بسبب ابتعاده عن استشارة الله واستخفافه بتطبيق وصاياه.

“وَهَكَذَا مَاتَ شَاوُلُ مِنْ جَرَّاءِ خِيَانَتِهِ وَعِصْيَانِهِ لِلرَّبِّ، وَلأَنَّهُ لَجَأَ إِلَى الْجَانِ طَلَبَا لِلْمَشُورَةِ. وَلَمْ يَلْجَأْ إِلَى الرَّبِّ طَلَباً لِمَشُورَتِهِ، فَقَضَى الرَّبُّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرْشَ الْمُلْكِ لِدَاوُدَ بْنِ يَسَّى.” (سِفر أخبار الأيام الأوَّل 13:10-14)

درس روحي مهم

أحياناً نكرَه الانتظار، ونعتقد أنَّ الله لا يرى ما نمُرّ به من ضيق، وأنَّه صامت لا يريد التَّدخُّل، فنحاول ابتكار حُلول بشريَّة ظنّاً منَّا أنَّها هي المخرَج لنا من ضيقاتنا، لكن هذه الحُلول من شأنها أن تزيد الأُمور سوءاً، خاصَّةً إن كانت تتعارَض بطريقة أو بأُخرى مع إحدى وصايا الله، والتي من ضمنها أنَّنا يجب أن نصبر على الضِّيق ونطلُب مشورة الله في كلِّ أمر كي نبقى سائرين ضمن مشيئته الإلهيَّة التي يريدها لحياتنا.

“تَوَكَّلْ عَلَى ٱلرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لَا تَعْتَمِدْ.” (سِفر الأمثال 5:3) AVD

الكاتب: الأخت مريم

Writer & Poet


مقالات مُشابِهة

الفرح والسلام الحقيقي
النضج الروحي المبكر
أقوال مسيحية شهيرة


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.