في المقال التالي شرح لتمايُز النصوص التوراتية وتفوُّقها الفكري على الأساطير الوثنية المعاصرة لها.
قد يلاحظ القارئ للتوراة وللأساطير الشرق أدنوية القديمة تشابهات، ويقول إن القصص التوراتية مجرد أسطورة مثلها مثل غيرها، لكن هذا الافتراض لا يأخذ بعين الاعتبار وجود اختلافات جوهرية، ولا يأخذ بعين الاعتبار أن بعض النصوص التوراتية هي جدَلية، أي تم فيها استخدام مفاهيم من الأساطير عن قصد، سواء بهدف تسخيفها أو الرد عليها أو تصحيح المفاهيم عنها.
أمور يجب توضيحها في البداية
- إن الافتراض الشائع بأن القصص العبرية هي نُسخ مبسَّطة من الأساطير المكتوبة بالمسمارية هو افتراض خاطئ، لأن الأدب في الشرق الأدنى القديم يُظهر أن القصص البسيطة هي التي تتطوَّر لتصبح مُعقَّدة، وليس العكس. يمكن ملاحظة هذا التطوُّر من البسيط إلى المُعقَّد في العديد من صيغ أسطورة الطوفان السومرية/البابلية. ومن المفارقة أن كثيراً من العلماء الذين يتبنَّون نموذج “المُعقَّد إلى البسيط”، هم أنفسهم من يقولون إن الأسفار الخمسة (التوراة) هي نتاج تطوُّر تدريجي من البسيط إلى المُعقَّد. ولا يمكن الجمع بين هذين الاتجاهين المتناقضين.
- لا توجد أمثلة في الشرق الأدنى القديم تُظهر أن الأسطورة تطوَّرت لاحقاً لتصبح تاريخاً. فالملحمة لا تتحول أبداً إلى سردٍ تاريخي. وبوضوح، فإن قصص الخلق والطوفان في سِفر التكوين تُقدَّم كسردٍ تاريخيٍّ مباشر، ولا يظهر فيها أي أثر للأسطورة.
- إن التباينات بين الروايات المسمارية والروايات الكتابية كبيرة جداً إلى درجة تستحيل معها فكرة أن القصص العبرية مجرد “تنقِية” للأساطير الوثنية¹.
ويوافق الباحث J. V. K. Wilson على ذلك بقوله: “إن الاختلافات الكثيرة والواضحة، التي تعود بدرجة كبيرة إلى أن المفاهيم الدينية الأساسية التي يقوم عليها النص الملحمي هي مفاهيم سومرية، أي تلك التي تعود إلى أسلاف الأكاديين غير الساميين في الألفية الثالثة قبل الميلاد، ثم البابليين والآشوريين من بعدهم، تؤكد هذا الرأي بقوة.” ²
إليكم أربعة فروق جوهرية بين سفر التكوين وملحمة “إنوما إيليش” (الملحمة البابلية عن الخلق) كمثال
- الموضوع الرئيسي في الأسطورة المسمارية هو الترويج للتعددية الإلهية ورفع “مردوخ” إلى رأس مجمع الآلهة. وتهدف “إنوما إيليش” إلى تفسير سبب كون مردوخ الإله الأعظم في بلاد الرافدين. أمَّا الكتاب المقدس فيؤكد على التوحيد، ويعلن أن “يهوه” هو الإله الواحد السيد على الكون كله، ولا نجد فيه أثراً لنشأة آلهة.
- إنوما إيليش تصوِّر الخلق كنتيجة معركة كونية بين قوى النظام وقوى الفوضى. أمَّا الكتاب المقدس فلا يذكر أن يهوه واجه أي قوة أخرى ليخلِق، بل خلقَ بكلمةٍ فقط، وبسهولة تامة.
- الأساطير القديمة تصوِّر الإنسان خادماً للآلهة، خُلق ليعمل في خدمتها. أمَّا الكتاب المقدس فيصوِّر الإنسان على صورة الله ومثاله (imago Dei)، مكلَّفاً بالسِّيادة على الخليقة كوكيلٍ مَلَكيٍّ لله.
- في الأساطير الوثنية، الآلهة نفسها ليست القوة العليا في الكون، بل توجد قوة أعظم تُسمَّى “السِّحر”. فبالسِّحر، وهو قوة غامضة تتجاوز قدرات الآلهة والبشر، يمكن التأثير في الطبيعة والناس. في الدِّيانتين البابلية والمصرية، لا يكون الإله قويّاً إلَّا بامتلاكه السِّحر. فهم ليسوا مُطلَقين؛ بل السِّحر هو المُطلَق.³
الاستخدام الجدلي للأساطير
ورغم هذه الاختلافات الجوهرية، فإن بعض أجزاء الأدب القديم في الشرق الأدنى تشترك مع النص الكتابي في عناصر متشابهة. فكيف نفهم هذه التشابهات؟
يمكن تفسير العديد منها على أنها ذات طابع جدَلي، أي رَدّ لاهوتي ضد الوثنية.
فمثلاً، يقول إشعياء 1:19: “…هَا هُوَ الرَّبُّ قَادِمٌ إِلَى مِصْرَ يَرْكَبُ سَحَابَةً سَرِيعَةً.” بينما تصف الأدبيات الأوغاريتية الإله بَعل بنفس اللقب، أي راكب السَّحاب: “سبع سنين لا يُمطر بَعل، وثمان سنين راكب السَّحاب، لا ندى ولا مطر.”
إذاً، اللقب “راكب السَّحاب” كان خاصّاً ببَعل، لكن إشعياء يستخدمه للسُّخرية من بَعل، مؤكِّداً أن يهوه هو راكب السَّحاب الحقيقي. هذا المعنى كان واضحاً جداً للجمهور العبري في ذلك الزمن.
ومثال آخر للجدَل هو صوت الإله الذي يرعد خارجاً من السَّحاب ويُزلزل الأرض عند ظهوره. فيهوه يفعل ذلك في لحظة الوحي على سيناء:
“وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَدَثَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ، وَخَيَّمَ سَحَابٌ كَثِيفٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَدَوَّى صَوْتُ بُوقٍ قَوِيٌّ جِدّاً، فَارْتَعَدَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي فِي المُخَيَّمِ، فَأَخْرَجَ مُوسَى الشَّعْبَ مِنَ المُخَيَّمِ لِلِقَاءِ اللهِ، فَوَقَفُوا عِنْدَ سَفْحِ الجَبَلِ. وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ مُغَطَّى بِدُخَانٍ، لأَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ فِي هَيْئَةِ نَارٍ. وَتَصَاعَدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَاهْتَزَّ الجَبَلُ كُلُّهُ بِعُنْفٍ. وَازْدَادَ دَوِيُّ الْبُوقِ أَكْثَرَ فِيمَا كَانَ مُوسَى يَتَكَلَّمُ، وَالرَّبُّ يُجِيبُهُ بِرَعْدٍ.” (الخروج 16:19-19)
وتستخدم النصوص الأوغاريتية نفس الصورة لوصف تجلِّي بَعل: “شقَّ بَعل السَّحاب، وأطلقَ صوته المقدس، رعدَ من شفتيه، فاهتزَّت مرتفعات الأرض.”
يرى بعض العلماء أن هذا التشابه يدل على تأثر العبرانيين بالأساطير الكنعانية. مثلاً، يقول مايكل كوغان: “إن شخصية إله إسرائيل مركَّبة؛ فبينما هو في الأساس صورة من الإله إيل، إلَّا أن العديد من الصفات والصور التي تميِّزه عن إيل مأخوذة من لاهوت بَعل”.⁴
لكن مثل هذه التشابهات لا تُثبت تبعيةً أو تأثراً مباشراً، بل يمكن أن تكون مصادفات أو هجمات فكرية متعمَّدة ضد الوثنية. فليس بَعل من يرعد ويُزلزل الأرض، بل يهوه! وفي أجزاء لاحقة من هذا الكتاب، هناك العديد من الأمثلة الأخرى التي تُظهر استخدام الكتاب المقدس للأساطير والممارسات المصرية بطابع جدَلي ضد ثقافة مصر الوثنية.
وهناك منظور آخر للتشابه بين القصص الكتابية والأساطير القديمة: إذا كانت القصص الكتابية حقيقية، فمن الطبيعي أن نجد بعض آثارها في الأدب غير الكتابي. لكن الكُتَّاب الوثنيين شوَّهوا تلك الحقائق، فغلَّفوها بالتعدُّدية والسِّحر والعنف والوثنية، أي إن الحقائق تحوَّلت إلى أساطير. ومن هذا المنظور، فإن التشابهات بين القصص لا تُضعف التاريخية الكتابية، بل تدعمها، وهو أمر ينبغي أن يتذكَّره القارئ عند دراسة العلاقة بين العهد القديم ومصر.
اختلافات جوهرية أخرى
1. الإيمان بتعدد الآلهة
جميع هذه المجتمعات آمنت بتعدُّد الآلهة، أي عبادة آلهة كثيرة. وقد ربطت هذه الديانات الوثنية الآلهة بقوى وعناصر الكون، فأعطت الظواهر الطبيعية أسماءً وخصَّتها بصفات وشخصيات. وهكذا، كانت الآلهة مُنغمسة في الطبيعة تماماً، جزءاً من الكون نفسه. وكان كل إله محدوداً بقدرة العنصر الطبيعي الذي يُجسِّده، بحيث لا تتجاوز قوَّته قوة الظاهرة المرتبطة به.
لذلك لم تكن الآلهة كليَّة القدرة، بل كانت آلهة الطبيعة محدودة جداً في إمكاناتها. وإضافةً إلى ذلك، كانت شخصياتها فاسدة ومنحرفة في الغالب، تعكس انحطاط أسلوب حياة البشر. وكما عكست قوى الآلهة نظام الطبيعة، كذلك عكست طبائعها طبائع الإنسان نفسه.
2. نشأة الآلهة
كانت الآلهة، بحسب اعتقادهم، موجودة إمَّا من خلال خلقٍ ذاتيّ أو من خلال خلقٍ من آلهة أُخرى. وقد لعبت هذه الفكرة دوراً أساسياً ومحورياً في النصوص الكونية لكلٍّ من مصر وبلاد الرافدين، إذ ركَّز معظمها على أصل الآلهة وأنسابها. وكان الهدف من أغلب روايات الخلق هو ترسيخ وتبرير البانثيون (مجمع الآلهة) والنظام الهرمي داخل كل ثقافة.
3. القوة الحقيقية للكون هي السحر
بحسب الديانات الوثنية القديمة، كانت القوة الحقيقية في الكون هي السِّحر. وكان الإله الذي يُجري أعظم الأعمال السِّحرية يُعتبر الأقوى. كما اعتمد الناس القدماء على السِّحر كالعرافة، والتنجيم، والشعوذة، واستحضار الأرواح للتحكُّم في الطبيعة (أي الآلهة) لمصلحتهم الخاصة. وهكذا، كانت القوة المُطلَقة التي تتحكَّم بالكون عنصراً خارجياً له، لا داخلياً.
4. نظرة دونية للإنسان
في أغلب مجتمعات الشرق الأدنى القديم، كان يُنظر إلى الإنسان على أنه كائن تافه، لا يملك قيمة أو كرامة تُذكر، ولا دوراً سوى أن يكون عبداً للآلهة. ولم تكن له حرية حقيقية، إذ كانت نزوات الآلهة وأهواؤها هي التي تُحدِّد مصيره ومسار حياته.
أمَّا التصوُّر العبري للكون فقد اختلف جذرياً عن هذه التصورات القديمة. فبينما سعى المصريون والرافديون والكنعانيون لتفسير الكون من خلال آلهة تُجسِّد قوى الطبيعة، يتحدَّث العهد القديم عن إلهٍ مُنفصل عن الكون، لا ينتمي إليه بل يعلوه.
في حين حاولت الشعوب الوثنية القديمة أن تبحث في داخل الكون عن العناصر التي تُنظِّمه، قدَّم العبرانيون قوة خارجية هي التي خلقت الكون وتحافظ عليه باستمرار. لقد استندت قصة الخلق اليهودية إلى الإيمان بإلهٍ واحد (التوحيد)، إلهٌ بدأ الكون وهو سيِّدٌ مُطلَق على كل تفاصيله. وقد علم كُتَّاب العهد القديم أن هذا الإله الفريد دعا شعب إسرائيل من بين الأمم الوثنية ليكون ممثِّلاً عنه في العالم. وقال لهم:
”أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ، فَكَرِّسُوا أَنْفُسَكُمْ وَتَقَدَّسُوا، لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ…” (اللاويين 44:11)
وكلمة “قدوس” في العبرية تعني حرفياً: “مُنفصل، مُتميِّز، فريد”. لذلك أمر الله إسرائيل أن يرفض طرق الأمم الوثنية وأن يسلك فقط بحسب فرائضه. كما فهم العبرانيون أن الإنسان جزء أساسي من الكون، مخلوق ذو قصد وكرامة، لم يُخلق ليكون عبداً بل ليكون أميراً وحاكماً وتاج الخليقة.
وبناءً على هذا المنظور الكتابي، كان يجب أن تختلف أفكار وأفعال بني إسرائيل عن جيرانهم المصريين والرافديين والكنعانيين. فكل الفنون السِّحرية التي كانت تُشكِّل أساس الديانات الوثنية مُنعت في إسرائيل (التثنية 10:18-11)، وكذلك الطقوس الوثنية كممارسة الجنس في المعبد وتقديم الأطفال ذبائح (الملوك الثاني 4:23-10). فإله إسرائيل السيِّد لا يمكن التلاعب به بهذه الطقوس (الخروج 8:7-13).
من الواضح إذاً أن التصوُّر العبري للواقع كان في صراع جوهري مع التصوُّرات الكونية الوثنية في الشرق الأدنى القديم، ولهذه الاختلافات الجوهرية في المنطلقات الفكرية أثر بالغ في علاقة إسرائيل مع الثقافات المحيطة.
- Ancient Egypt and the Old Testament. John D. Currid.
- “The Epic of Creation,” in Documents from Old Testament Times. J. V. K. Wilson. ed. Thomas.
- Ancient Egypt and the Old Testament. John D. Currid.
- Stories from Ancient Canaan. M. D. Coogan
مقالات مُشابِهة
ما هو التحقق (النقد) النصي؟
آيات عن الثالوث
هل ترك الله السماء عند التجسد؟

