زجاج فارغ يمثل الصيام

إنَّ الصوّم من المُمارسات الجميلة في الإيمان المسيحيّ. فيُعتبر الصوّم من العلامات التي تعكس مدى اهتمام الشخص ورغبته في النموّ الروحيّ، وفي التلمذة. فكيّف يستطيع الإنسان أن يصوم صومًا مقبولًا عند الله. يُوضح الكِتاب المٌقدس عدة عوامل وأبعاد فِي الصوّم.

إن الصوّم لكي يكون مقبولًا عند الله يجب أولًا أن يكون الهدف من الصوّم صحيح. فهدف الصوّم ليس اكتناز حسنات على الأرض، وليس للتكفير عن السيئات، وليس للشعور بالفقراء، وليس لأنه فرض، وليس لضمان الجنة، ولكن الهدف الصحيح من الصوّم هو التقرب إلى الله، والرغبة الحقيقيّة في الإلتحام بالله وقضاء وقت أكبر دون وضع الجسد ومُتطلباته في محوريّة أحداث الحياة.

disciple in arabic

ثانيًا لكي يكون الصوّم مقبولًا عند الله يجب أن لا يصاحبه التباهي والتفاخر أمام الناس. من أكثر الأمور التي قد يسقط فيها الإنسان هي التباهي والتفاخر بالمُمارسات الروحيّة، لكن الصوّم المقبول عند الله هو الذي يكون بين الإنسان والله دون التفاخر والتباهي كممارسة تدل على التقوى. لذلك حذر المسيح من ذلك قائلًا:

وَعِنْدَمَا تَصُومُونَ، لَا تَكُونُوا عَابِسِي الْوُجُوهِ، الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُمْ قَدْ نَالُوا مُكَافَأَتَهُمْ. أَمَّا أَنْتَ، فَعِنْدَمَا تَصُمْ، فَاغْسِلْ وَجْهَكَ، وَعَطِّرْ رَأْسَكَ، لِكَيْ لَا تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. وَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ، هُوَ يُكَافِئُكَ.
إنجيل متى: 6: 16- 18

ثالثًا يجب أن التوبة ترافق الصوّم. إذا كان هدف الصوّم هو التقرب إلى الله أكثر، فلابد من التوبة وفحص النفس وأفعالها أثناء فترة الصيام. إتخذ الصوّم فرصة لتتجدد من الداخل وتنتعش روحك بالتوبة وتجديد طريقة حياتك. فيشدد الوحيّ في إشعياء على طريقة الحياة المُنسجمة والمُتوافقة مع فكرة الصوّم وهدفه. فلا تصوم وأنت تحمل كُره وضغينه لأحد مثلًا، بل بالأحرى عش يومك بطريقة حياة تعكس نور المسيح حيث مكتوب:

وَيَسْأَلُونَ: مَا بَالُنَا صُمْنَا وَأَنْتَ لَمْ تُلاحِظْ، وَتَذَلَّلْنَا وَلَمْ تَحْفِلْ بِذَلِكَ؟ إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تَلْتَمِسُونَ مَسَرَّةَ أَنْفُسِكُمْ وَتُسَخِّرُونَ جَمِيعَ عُمَّالِكُمْ. وَهَا أَنْتُمْ تَصُومُونَ لِكَيْ تَتَخَاصَمُوا وَتَتَشَاجَرُوا فَقَطْ، وَتَتَضَارَبُوا بِكَلِمَاتٍ أَثِيمَةٍ. إِنَّ مِثْلَ صَوْمِكُمُ الْيَوْمَ لَا يَجْعَلُ أَصْوَاتَكُمْ مَسْمُوعَةً فِي الْعَلاءِ. أَيَكُونُ الصَّوْمُ الَّذِي أَخْتَارُهُ فِي إِذْلالِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَوْماً، أَوْ فِي إِحْنَاءِ رَأْسِهِ كَالْقَصَبَةِ، أَوِ افْتِرَاشِ الْمِسْحِ وَالرَّمَادِ؟ أَتَدْعُو هَذَا صَوْماً مَقْبُولاً لَدَى الرَّبِّ؟ أَلَيْسَ الصَّوْمُ الَّذِي أَخْتَارُهُ يَكُونُ فِي فَكِّ قُيُودِ الشَّرِّ، وَحَلِّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاقِ سَرَاحِ الْمُتَضَايِقِينَ، وَتَحْطِيمِ كُلِّ نِيرٍ؟ أَلا يَكُونُ فِي مُشَاطَرَةِ خُبْزِكَ مَعَ الْجَائِعِ، وَإِيْوَاءِ الْفَقِيرِ الْمُتَشَرِّدِ فِي بَيْتِكَ، وَكُسْوَةِ: الْعُرْيَانِ الَّذِي تَلْتَقِيهِ، وَعَدَمِ التَّغَاضِي عَنْ قَرِيبِكَ الْبَائِسِ؟
إشعياء 58: 3- 7

رابعًا يجب أن يكون ذهنك وقلبك وكل كيانك في روح الصلاة والوجود المُستمر في محضر الله. فبدون الصلاة والوجود في محضر الله لا يحقق الصوّم غرضه. فما أجملها فرصة أن تكرس وقت صوّمك في الصلاة والحديث مع الله حيث يُغيّرك الله ويُجددك فيُؤتِي الصوّم ثِماره.

خامسًا يجب ألا يكون الصوّم مُجرد عادة اعتدت أن تفعلها. إذا تم الصوّم لمجرد الاعتياد على الصوّم في أوقات معيّنة أو لمُجرد فرض يجب أن أوديه، فبالتأكيد سيفقد الصوّم أي فعاليّة له، لكن دائمًا حاول أن تُقبِل على الصوّم كحدث أنت تشتاق لحدوثه، وكفرصة للحديث الشيّق مع الله ولتغيير كيان الإنسان.

إن الصوّم هو من الأمور التي منحها لنا الله وكعطيّة بها نستطيع أن ننمو روحيّا ونختبر أعماق جديدة مع الله. فلا تضيع فرصة الصوّم بل انتهزها واجعلها نقطة تحوّل جديد في علاقتك بالله.

الكاتبة: لمياء نور

Masters of Arts in Theology, ETSC


مقالات مُشابِهة

صفحة الصوم الكبير
الهدف الحقيقي من الصوم
ما هو مفهوم الصوم في الإيمان المسيحيّ؟
طرق للصيام


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.