Depiction of the government in Jerusalem in the first century


كيف يجب أن يعيش المسيحي في ظلّ الحكومات الأرضيَّة؟ هذا المقال سيقدِّم لنا الإجابات من خلال الكتاب المقدَّس.

جنسية المؤمن الحقيقية

امتازت كل حضارة من الحضارات القديمة بخاصيّة معيَّنة وحاولت نقلها للشُّعوب التي كانت تغزوها. كان اليونانيُّون يهدفون إلى نشر فكرهم ومؤلَّفاتهم الأدبيَّة ولُغتهم وكل ما يختص بالحياة اليونانيَّة لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّهم متفوِّقون فكريّاً وأنَّهم بذلك سيساعدون الحضارات الأُخرى على التَّقدُّم في المعايير الحضاريَّة وفي الثَّقافة والعمران. مع مجيء الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة لم يتوقَّف التَّأثير الهيلِّيني اليوناني بشكل كامل، بل ظلَّت ملامحه موجودة في أرجاء الإمبراطوريَّة لكن الرُّومان كانوا ينظرون إلى مدى سطوَة إمبراطوريَّتهم واتِّساعها، ويعتبرون أنَّ أهم شيء ممكن أن يقدِّموه للشُّعوب هو مساعدتهم على الاندماج في الإمبراطوريَّة وذلك عبر كسب المواطنيَّة الرُّومانيَّة (أي الجنسيّة) والتي تعطي لحاملها امتيازات لا يحصل عليها أيّ شخص آخر. وطبعاً كان الشَّخص يحصل على الجنسيَّة الرُّومانيَّة من خلال شروط أبرزها أن تصبح ثقافته متوافقة مع ثقافة هذا المجتمَع.

اتَّسعت الرُّقعة الجغرافيَّة الرُّومانيَّة لتشمل كل حوض البحر المتوسط، وكانت تنشر فكرها الاستعماري في كل المستعمرات التي تغزوها عبر إرسال مواطنين رومان لكي يسكنوا فيها، خاصَّةً الجنود الذين احتلُّوا تلك المنطقة وبهدف أن يساهموا في نشر الحضارة الرُّومانيَّة فيها. كانت تسمَّى هذه العمليَّة Colonization أو الاستيطان. واحدة من هذه المستوطنات الرُّومانيَّة كانت فيلبِّي وهي مدينة يونانيَّة استعمرها الرُّومان وأعطوا الجنسيَّة لسُكَّانها بعد أن نشر السُّكَّان الرُّومان الجدد حضارتهم هناك. كانت الجنسيَّة الرُّومانيَّة مَدعاة فخر تلك الأيَّام وامتياز لا يحصل عليه الجميع، لذلك كان هذا أمراً يُقدِّره الفيلبِّيُّون. انتشرت المسيحيَّة في فيلبِّي قبل أن يزورها بولُس وسيلا ويخدما هناك، وقد كتب بولُس الرَّسول إلى أهل فيلبِّي لاحقاً كلمات معبِّرة جدّاً تحاكي واقعهم الجديد كونهم صاروا مسيحيِّين من خلال التَّلميح لِما كانوا عليه:

“أَمَّا نَحْنُ، فَإِنَّ وَطَنَنَا فِي السَّمَاوَاتِ الَّتِي مِنْهَا نَنْتَظِرُ عَوْدَةَ مُخَلِّصِنَا الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي سَيُحَوِّلُ جَسَدَنَا الْوَضِيعَ إِلَى صُورَةٍ مُطَابِقَةٍ لِجَسَدِهِ الْمَجِيدِ، وَفْقاً لِعَمَلِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِخْضَاعِ كُلِّ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ.” (رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل فيلبِّي 20:3-21)

للمؤمن هويّة سماويّة

نوَّهَ بولُس في كتاباته بشكلٍ عام وفي هذه الآية بشكلٍ خاص إلى أنَّ المؤمن لديه هويَّة سماويَّة، وهي الهويَّة التي يجب أن يعتز بها كونها الهويَّة الوحيدة الباقية في حين أنَّ كل شيء زائل، وهي مواطنيَّة اشتراها المسيح بثمن باهظ ليعطينا إيَّاها بالمجَّان، لذلك المواطنيَّة السَّماويَّة هي الرَّكيزة التي يجب أن يستند عليها المؤمن في تعاملاته مع الحكومات التي يعيش تحت حُكمها. ولا شَكّ أنَّ بولُس كان يقصد أيضاً أنَّه كما كان الرُّومان ينشرون الحضارة الرُّومانيَّة في الأراضي التي يحتلُّونها، هكذا يجب على المؤمن أن ينشر الحضارة السَّماويَّة في المكان الذي يعيش فيه، أي يعكس حياة المسيح في سُلوكه لمن هم حوله ويساهم في نشر تعاليم المسيح وتشجيع النَّاس على تطبيقها ليُصبحوا بدورهم مواطنين سماويِّين. في نفس الآية أيضاً شجَّع بولُس المؤمنين على توقُّع المجيء الثَّاني الذي فيه رجاء القيامة التي سنحصل فيها على جسد ممجَّد غير الجسد الفاني الذي نعيش فيه، وأيضاً على وطَن سماوي مجيد غير الوطن الفاني الذي نسكن فيه على الأرض.


لذلك المواطنيَّة السَّماويَّة هي الرَّكيزة التي يجب أن يستند عليها المؤمن في تعاملاته مع الحكومات التي يعيش تحت حُكمها


خضوع المؤمن للسلطات

“عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَنْ تَخْضَعَ لِلسُّلْطَاتِ الْحَاكِمَةِ. فَلا سُلْطَةَ إِلّا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالسُّلْطَاتُ الْقَائِمَةُ مُرَتَّبَةٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ. حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَةَ، يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَجْلِبُونَ الْعِقَابَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَا يَخَافُهُمْ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاحَ بَلْ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ. أَفَتَرْغَبُ إِذَنْ فِي أَنْ تَكُونَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنَ السُّلْطَةِ؟ اعْمَلْ مَا هُوَ صَالِحٌ، فَتَكُونَ مَمْدُوحاً عِنْدَهَا، لأَنَّهَا خَادِمَةُ اللهِ لَكَ لأَجْلِ الْخَيْرِ. أَمَّا إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّ السُّلْطَةَ لَا تَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثاً، إِذْ إِنَّهَا خَادِمَةُ اللهِ، وَهِيَ الَّتِي تَنْتَقِمُ لِغَضَبِهِ مِمَّنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ. وَلِذَلِكَ، فَمِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تَخْضَعُوا، لَا اتِّقَاءَ لِلْغَضَبِ فَقَطْ، بَلْ مُرَاعَاةً لِلضَّمِيرِ أَيْضاً. فَلِهَذَا السَّبَبِ تَدْفَعُونَ الضَّرَائِبَ أَيْضاً، لأَنَّ رِجَالَ السُّلْطَةِ هُمْ خُدَّامٌ لِلهِ يُوَاظِبُونَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ بِعَيْنِهِ. فَأَدُّوا لِكُلِّ وَاحِدٍ حَقَّهُ: الضَّرِيبَةَ لِصَاحِبِ الضَّرِيبَةِ وَالْجِزْيَةَ لِصَاحِبِ الْجِزْيَةِ، وَالاحْتِرَامَ لِصَاحِبِ الاحْتِرَامِ، وَالإِكْرَامَ لِصَاحِبِ الإِكْرَامِ.” (رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 1:13-7)

يُعلِّم بولُس في هذا النَّص عن كيفيَّة عيش المواطن المسيحي في ظلّ الحكومات التي لا تتساهل مع المسيحيِّين أيضاً وليس فقط الحكومات الصَّالحة منها. صحيح أنَّ بولُس كتبَ هذه الرِّسالة قبل أن يبدأ الاضطِّهاد النَّيروني الكبير على المسيحيِّين، لكن في مُطلَق الأحوال لم يكُن لدى المسيحيِّين الكثير من الحرِّيَّات آنذاك، فقد كانت المشاركة بالأعياد الوثنيَّة والذَّبح للأوثان وعبادة قيصَر مُلزِمة لسُكَّان الإمبراطوريَّة. في البداية كان المسيحيُّون محميِّين من ممارسة هذه الأُمور كونهم كانوا في كنَف الدِّيانة اليهوديَّة التي كان أتباعها معفيِّين من تلك الممارسة، لكن سرعان ما تبيَّن أنَّ المسيحيَّة هي دِين مُستقِلّ وبدأت المواجهة مع الرُّومان لأنَّ المسيحيِّين لم يقبَلوا أن يُساوِموا على معتقداتهم، وأمام إلزاميَّة المُناداة بأنَّ قيصَر هو رَبّ كان المسيحيُّون يقولون إنَّ ربّنا الأوحَد هو المسيح.

كيف يخضع المؤمن إذاً للسُّلطة؟ وإلى أيّ مدى يجب أن يخضع لها؟ يجب على المؤمن أن يخضع للحكومات في كل ما يخصّ الأنظمة والتَّشريعات التي تتعلَّق بالأحكام المدنيَّة، أي أن يدفع الضَّرائب ويحترم القوانين ويكون مواطناً مثاليّاً، لكن ذلك لا يعني أن يُساوِم على معتقداته حين يُجبِره القانون على العبادة وفق ديانة أُخرى، وقد فضَّل المسيحيُّون عبر التَّاريخ الموت على أن يقوموا بذلك، وكانوا عالِمين أنَّ في انتظارهم وطناً أفضل سيكونون فيه مع الله كل حين. يجب أيضاً على المؤمن أن يثق بسُلطان الله، فرؤية تعاملات الله مع الشُّعوب عبر التَّاريخ كما يذكُرها الكتاب المقدَّس، توضح أنَّ الله يؤدِّب الشُّعوب ببعضها ويدينهم عبر إعطائهم أحياناً حُكَّاماً غير صالحين، ونحن كمؤمنين يجب أن نثق بسِيادة الله ونعيش عالِمين أنَّ ليس لدينا وطنٌ باقٍ هنا، وأنَّنا نُزَلاء على هذه الأرض ننتظر استِعلان الوطن السَّماوي.

man with out streatched arms at sunrise

الكاتب: الأخ فرح

Theologian, Minister


مقالات مُشابِهة

الغاية من سفر دانيال
قصة قيامة المسيح
هل نسخ موسى التوراة من حمورابي؟


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.