كيف كان شكل المسيح؟

whatsapp image 2026 10 16 at 8.30.39 pm

ماذا تقول لنا المصادر الأقدم عن شكل المسيح؟ تابع معنا هذا المقال القصير وسهل القراءة.

من الأسئلة التي طرحها المسيحيون على مر العصور هو كيف من الممكن أن يكون شكل المسيح؟ هل كان طويلاً أم قصيراً؟ هل كان جسمه ممتلئاً أم كانت بنيته قوية؟ ما لون عينيه؟ ما لون بشرته؟ كيف كانت تفاصيل وجهه؟ كم كان طول شعره؟ وكم كان طول شعر لحيته؟ وغير ذلك من التفاصيل.

لقد كان شكل المسيح أمراً شغل فضول المسيحيين لسنوات طويلة، ولذلك حاولت مصادر عديدة أن تخبرنا كيف كان شكل المسيح. لدينا اليوم نصوص وصور وآثار، قديمة وجديدة، تحاول أن تقدم لنا وصفًا أو صورة للمسيح. هناك مثلاً رقعة القديسة فيرونيكا، وهناك رقع وآثار أخرى يُزعم أنها تعود إلى المسيح، وهناك كفن تورينو، وربما يكون هذا أشهرها وأكثرها إثارة للجدل حتى اليوم. ولكن بعد البحث والتدقيق، نجد أن كل هذه المصادر لا تستطيع أن تخبرنا بشكل موثوق كيف كان شكل المسيح.

وهذا الأمر بكل بساطة لأن أقدم المصادر وأكثرها موثوقية التي تخبرنا عن المسيح، أي الأناجيل القانونية، لا تخبرنا كيف كان شكل المسيح، ولا حتى تلمّح تلميحًا إلى شكله.

ماذا تخبرنا الأناجيل عن المسيح؟

هناك شيئان فقط نستطيع أن نعرفهما عن المسيح:


• أولاً، أنه كان يشبه ابن بيئته، وكان يشبه الناس الذين يعيش بينهم. مثلًا، كان يستطيع أن يجتاز وسط الجموع ويختفي عن الأنظار (إنجيل لوقا 30:4)، وفي بستان جثسيماني كان الجنود بحاجة إلى يهوذا الإسخريوطي لكي يتعرفوا إليه. وهذا قد يعني ببساطة أنه لم يكن يتميز عن الناس من حوله بشكل يجعله معروفاً بمجرد النظر إليه.


• والشيء الثاني الذي نعرفه عنه هو أنه كان حسن المظهر أو مرتب المظهر. نرى ذلك مثلاً في الثوب الذي كان يرتديه، والذي كان منسوجاً من فوق إلى أسفل (إنجيل يوحنا 23:19). وهذا أمر متوقع، لكن بخلاف ذلك لا توجد لدينا معلومات عن شكل المسيح.

قد يقول قائل: ما أهمية ذلك؟ أين المشكلة في ذلك؟ الأناجيل لا تخبرنا عن شكل المسيح لأنها ليست من هدفها أن تخبرنا عن شكل المسيح، وهذا طبيعي. لكن هناك مشكلة أخرى لا يتبغي تجاهلها، وهي أن النصوص التي تنتمي إلى التصنيف الأدبي نفسه الذي تنتمي إليه الأناجيل، أي السير الحياتية الخاصة بتلك الحقبة التاريخية، كانت تصف الرجال الذين تتحدث عنهم. وكأن وصف الشخص كان جزءاً رئيسياً من التعريف بالشخص.

وكانوا يؤمنون أيضاً بأن شكل الشخص ينعكس على سلوكه، وينعكس على شخصية الشخص، وأن الشخصية تظهر في الشكل، والشكل يظهر شيئاً من الشخصية. وهذا ما كان يسمى بالفسيغنوميا، أي محاولة قراءة شخصية الإنسان وصفاته من ملامح وجهه وهيئته الجسدية.

مثلًا، عندما أراد سويتونيوس أن يقدّم لنا قيصر، توقف عند وصفه، لأن وصف هيئة الرجل بالنسبة إلى القارئ القديم لم يكن أمراً ثانوياً. كان المقاتل يجب أن يظهر بهذا الجسم الضخم، بهذه البنية العضلية، وبهذه النظرة الشجاعة. وكان يجب للإمبراطور أن تكون له وقفة الإمبراطور، وهيبة الإمبراطور، وحجم الإمبراطور، ونظرة الإمبراطور.

وإذا أردت أن تذم شخصاً، يمكنك أن تقول له: هو لا يبدو كمقاتل، أو لا يعطي مظهر المقاتل، أو لا يحمل هيئة الشخص الذي يدّعي أنه هو. فالشكل كان جزءاً أساسياً من الطريقة التي يُقدَّم بها الشخص ويُعرَّف بها.

لماذا لا تذكر الأناجيل شكل المسيح؟

طالما كان من الطبيعي في هذا النوع من الكتابات أن تتحدث عن الشخص، وطالما كان شكل الشخص جزءاً من تعريفه، لماذا لا نجد في الأناجيل أي وصف حقيقي لشكل المسيح؟ أعتقد أننا نستطيع أن نتعلم من هذا ثلاث دروس رئيسية:

• أولاً، هذا دليل على مصداقية الأناجيل. لأن الأناجيل، لو أرادت التلفيق أو صناعة صورة أسطورية للمسيح، لكان أمامها متسع كبير من الوقت والمجال لكي تقول لنا إن المسيح كانت له هيبة ظاهرة في مظهره، وإن وجهه كان يشع بالجلال، وإن عينيه كانتا تحملان قوة خارقة، وإن بنيته كانت مختلفة عن جميع الناس، أو أي وصف آخر من هذا النوع. وهذا أمر شائع جدًا في التقاليد الدينية والأسطورية.


فالإنسان لديه نزعة إلى ربط كل ما هو مقدس بما هو جميل، وكل ما هو عظيم بما هو مهيب في المظهر. ولذلك نتوقع أن يكون الشخص المقدس أجمل من غيره، وأن يكون النبي أعظم هيئة من غيره، وأن يظهر البطل في مظهر يليق ببطولته. لكن الأناجيل لا تفعل ذلك. لا تعطينا وجهًا للمسيح، ولا لونًا لعينيه، ولا طولًا له، ولا وصفًا لشعره، ولا ملامح خاصة في وجهه. إنها ببساطة تصمت.

• ثانيًا، ربما يكون هذا الصمت مقصوداً لكي لا نصنع صورة للمسيح من الشكل الموصوف، ولكي لا يصبح الشكل هو الطريقة التي نتخيل بها المسيح أو نعبد بها المسيح. وهذا يذكّرنا بما جاء في سفر التثنية عندما يقول موسى إنهم لم يروا صورة عندما كلمهم الرب، ولذلك لا يجب أن يصنعوا لأنفسهم تمثالاً أو صورة (سفر التَثنِية 15:4).

المشكلة هنا ليست في أن الإنسان يريد أن يعرف كيف كان المسيح شكليًا فقط، وإنما في أننا عندما نصنع صورة للمقدس، نبدأ بسهولة في ربط القداسة بهذه الصورة. يصبح المسيح في أذهاننا رجلاً أبيض، أو أسمر، طويل الشعر، ذا لحية معينة، وملامح معينة، ثم مع الوقت ننسى أن هذه الصورة ليست المسيح، وإنما هي صورة صنعها خيال الإنسان.

ولهذا ربما كان صمت الأناجيل مهمًا جداً. هي لا تعطينا شيئًا نستطيع أن نحوله إلى صورة نهائية للمسيح. لا تعطينا وجهًا نعلقه على الجدران ونقول بأن هذا هو المسيح.

• أما الدرس الثالث، وربما الأهم، فهو أن الأناجيل تريد أن تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان. ففي تلك البيئة، كان الشكل يمكن أن يكون جزءاً من الحكم على الإنسان. كنت ترى الرجل فتقرأ في هيئته شيئاً عن شخصيته. أما في الأناجيل، فنحن لا نتعرف إلى المسيح من شكله، وإنما نتعرف إليه من أقواله وأفعاله.

تطبيقات ختامية

نحن لا نعرف المسيح لأنه كان طويلاً أو قصيراً، قوي البنية أو ضعيفها، جميل الوجه أو عادي الملامح. نحن نعرفه من الطريقة التي تعامل بها مع المرضى، ومن الطريقة التي اقترب بها من الخطاة، ومن الطريقة التي تعامل بها مع المهمشين، ومن كلماته، ومن تعليمه، ومن رحمته، ومن مواجهته للرياء، ومن علاقته بتلاميذه، ومن الطريقة التي واجه بها الموت، ومن قيامته.

بهذه الطريقة يصبح الصمت عن شكل المسيح ذا معنى أكبر. لأن الأناجيل وبطريقة ما، تمنعنا من أن نبدأ من الشكل. إنها تجبرنا على أن نبدأ من الشخص نفسه، عن ماذا قال؟ ماذا فعل؟ كيف عاش؟ وكيف عامل الآخرين؟ وماذا حدث له في النهاية؟

ربما لو كانت لدينا صورة واضحة للمسيح، لكنا انشغلنا بالصورة أكثر من الشخص. وربما كنا سنناقش لون بشرته وشكل شعره وطول قامته أكثر مما نناقش ما قاله وما فعله. لكن الأناجيل لا تعطينا هذه الصورة. إنها لا تقول لنا، انظروا إلى وجهه، فهذا هو المسيح. إنها تقول لنا، انظروا إلى حياته.

ولهذا، فإن غياب وصف شكل المسيح هو جزءًا من الرسالة. نحن لا نحتاج إلى أن نعرف كيف كان يبدو المسيح لكي نعرف من هو. فالمسيح لم يترك لنا وجهًا نتعرف إليه من خلاله، وإنما ترك لنا أقوالاً وأفعالاً وقصة حياة. وفي النهاية، لم تكن القضية في أن نعرف لون عينيه، وإنما أن نرى ماذا فعل بتلك العينين عندما رأى الإنسان المتألم، وماذا قال بتلك الشفتين عندما واجه الخاطئ والمرائي والمحتاج، وماذا فعل بيديه عندما اقترب من المريض والمهمش، وكيف عاش، وكيف مات، وكيف قام.

رجل عند غروب الشمس

الكاتب: الأخ فرح

Minister & Theologian


مقالات مُشابِهة

مصادر خارجية تؤكد على أحداث ذكرها العهد الجديد
هل بإمكاننا أن نعرف من كتب الأناجيل؟
متى كتبت الأناجيل؟


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.