الغيرة والخطيئة الأولى
إذا سألتَ أيّ قارئ للكتاب المقدس عن الخطيئة الأولى، فغالباً سيقول لك إنَّ سببها هو الكبرياء. فالخطيئة الأولى، قبل أن تكون خطيئة الإنسان، هي خطيئة إبليس الذي أراد أن يصير مثل العَلِيّ، وأن يرفع كُرسيَّه فوق كواكب الله، وأن يجعل نفسه في موضع لا يحق للمخلوق أن يشغله. الكبرياء هنا هو أن المخلوق لم يعد راضياً بالمكان الذي وضعه الله فيه، بل أراد أن يتجاوز حدوده وأن يأخذ ما ليس له. لكن من اللافت أننا عندما نتأمَّل في الكبرياء، نكتشف أنه لا يأتي وحده، بل يحمل معه غالباً مجموعة من الخطايا الأخرى، ومن بينها الغيرة.
فالإنسان المتكبر، بالإضافة إلى أنه يُغالي بما عنده، يبدأ أيضاً بالنظر إلى ما لدى الآخرين، وبالتفكير بأسئلة مثل:
- لماذا لدى فلان هذا الشيء، وليس لديّ؟
- لماذا أعطاه الله ما لم يُعطني؟
- لماذا هو في هذا المكان، وأنا لستُ فيه؟
- لماذا يملك هذه الموهبة، أو هذا الجمال، أو هذه المكانة، أو هذه الفرصة، وأنا لا أملكها؟
وهنا تتحوَّل العين من النظر لعطايا الله إلى مقارنة النفس بالآخرين. والغيرة في جوهرها ليست مجرد رغبة في امتلاك شيء جميل، لكنها الشعور بأن امتلاك الآخر لهذا الشيء ينتقص منَّا شخصياً. لذلك فالغيرة تحمل في داخلها بذرة عداوة، لأن الآخر يصبح في نظرنا عائقاً أمام سعادتنا.
الغيرة والسقوط
هذا الأمر يأخذنا إلى قصة السقوط في سِفر التكوين. عندما نظرت حوَّاء إلى الشجرة، ورأت أنها جيدة للأكل، وبهجة للعيون، وشهية للنظر، وأنها قادرة على منحها معرفة تجعلها كالله. نرى كيف تداخلت الرغبة مع الغيرة. لم تكن المشكلة في الثمرة من حيث هي ثمرة، ولا في أن الإنسان أحبَّ شيئاً جميلاً، بل في أن رغبة الإنسان تحوَّلت إلى غيرة من الله وتجاوزت حدود كل ما منحه. فالله أعطى الإنسان كل أشجار الجنة، لكن الإنسان أراد ثمر الشجرة التي أوصاه الله ألَّا يأكل منها. وهكذا تحوَّلت العين من الامتنان لما أعطاه الله إلى التعلُّق بما منعه.
جذر الغيرة
إذا نظرنا إلى خطيئة إبليس وخطيئة الإنسان الأولى، نجد أن هناك خيطاً واحداً مشتركاً وهو عدم الرضا بما أعطاه الله، والرغبة في الحصول على ما ليس لنا. إبليس لم يرضَ بمكانه كمخلوق، والإنسان لم يرضَ بحدوده كمخلوق. وفي الحالتين، لم تعد عطايا الله كافية في نظر القلب. صار هناك شيء آخر يجب الحصول عليه حتى يشعر الإنسان بالكمال، أو السعادة، أو أنه أعظم مما هو عليه في الواقع.
مخاطر الغيرة
الغيرة تجعلنا ننسى البركات الموجودة لدينا لأن عيوننا تصبح منشغلة بالبركات الموجودة لدى الآخرين. قد يكون لديك عشرة أشياء تشكر الله عليها، لكنك لا تراها، لأنك منشغل بالشيء الحادي عشر الذي يملكه شخص آخر ولا تملكه أنت. وقد تكون حياتك مليئة بعطايا الله، لكنك تعيش وكأنك محروم من كل شيء، لأنك تقيس نفسك باستمرار بما يملكه غيرك.
والأخطر من ذلك أن الغيرة تستطيع أن تُفسد حتى الأشياء الجيدة. فمثلاً: قد تنجح في دراستك أو عملك أو زواجك، لكنك لا تفرح بنجاحك هذا لأن شخصاً آخر نجح نجاحاً أكبر من نجاحك. وقد تملك شيئاً كنت تُصلِّي من أجله لسنوات، لكن بمجرد أن ترى شخصاً يملك شيئاً أفضل منه، تشعر أن ما عندك لم يعد كافياً بالنسبة لك. وهكذا تصبح السعادة مؤجَّلة دائماً، فنُقنِع أنفسنا بأننا عندما نحصل على أمر معيَّن سنكون سُعداء، وعندما نصل إلى مكانٍ معيَّن سوف نرتاح، وعندما نملك ما يملكه الآخر سوف نشعر بالرضا. وفي الحقيقة هذه كلها توقُّعات وهمية غير حقيقية، لأننا حين نحصل على ما نريد لن نشعر بالسعادة والراحة والرضا، لأن عيوننا ستبقى دائماً على ما ينقصنا، لا على ما لدينا.
كيف نتخلص من الغيرة؟
الكتاب المقدس يريد أن يكسر هذا الوهم، فالحصول على ما تتمناه ليس بالضرورة أن يجلب لك السعادة. أحياناً نتصوَّر أن المشكلة هي في أننا لا نملك الشيء الذي نريده، بينما المشكلة الحقيقية هي اعتقادنا بأن هذا الشيء سيمنحنا ما لا يستطيع أن يمنحنا إياه في الواقع. فالمال قد يريحك، لكنه لا يستطيع أن يمنح قلبك الرضا. المكانة قد ترفعك أمام الناس، لكنها لا تستطيع أن تعطيك قيمتك. امتلاك ما لدى الآخرين قد يُرضي رغبة مؤقتة لديك، لكنه لن يُشبع قلبك الذي تعود مشكلته من الأساس إلى أنه لا يعرف كيف يكتفي.
لذلك، إذا أردت أن تتخلَّص من الغيرة، فالبداية ليست فقط أن تنظر أقَلّ إلى الآخرين، بل أن تنظر أكثر إلى ما صنعه الله معك. تذكَّر البركات التي اعتدتَ عليها حتى أصبحتَ لا تراها. تذكَّر الأبواب التي فتحها الله لك، والأشخاص الذين وضعهم في حياتك، والفرص التي أعطاك إياها، والنعمة التي حفظك الله بها. فالامتنان يُعيد ترتيب نظرتك للأشياء، فبدلاً من أن ترى دائماً ما ينقصك، ستبدأ في رؤية ما أعطاه الله لك، وتشكرهُ عليه.
ثم تعلَّم أن تسأل نفسك سؤالاً أصعب: “لو حصلتُ فعلاً على ما أريده، هل أنا متأكد أنه سيجعلني سعيداً؟” ربما لا. وربما بعد أن تحصل عليه ستبدأ بمقارنة نفسك بشخص آخر يملك أكثر. لأن المشكلة ليست دائماً في الشيء الذي نريده، بل في القلب الذي يريد أن يجعل الأشياء مصدراً للرضا.
الخاتمة
التحرر من الغيرة يبدأ عندما نتعلَّم أن نقول:
ما أعطاني إياه الله ليس قليلاً لمجرد أن غيري يمتلك أكثر منه. وما لم يُعطني إياه الله ليس بالضرورة شيئاً أحتاج إليه، فأنا لستُ مضطراً إلى امتلاك كل ما أراه، ولستُ مضطراً إلى أن أكون مثل الآخرين حتى تكون حياتي ذات قيمة. لأن القلب الذي لا يعرف النعمة سيظل جائعاً دوماً، حتى لو حصل الإنسان على كل ما اشتهتهُ عيناه.

