فيما يلي تأمُّل بسيط من الكتاب المقدس عن نور الميلاد.
يستخدم الكتاب المقدس بكثافة مفاهيم نابعة من الاختبار البشري لكي يُعبِّر عن حقائق روحية، وواحد منها هو “النور والظلمة”. النور من خلال تجربتنا، يُمثِّل ما هو مفيد وواضح ومهم ويعطي الإحساس بالأمان، ففي النور يرى الإنسان خطواته ولا يتعثَّر، وينتبه لو صادفه شيء، أمَّا الظلمة فهي نقيض ذلك تماماً.
يُشبِّه الكتاب المقدس الميلاد بأنه النور الذي أشرق في الظلمة وأضاء مرحلة طويلة من الانتظار والظلمة والتشوُّش الروحي في حياة شعب كان يعيش على حدود الرجاء. وهذه الحالة تحدَّث عنها أنبياء العهد القديم، خصوصاً إشعياء، حين لخَّص حالة الناس جميعاً بحالة مدينتَي “زبولون ونفتالي” اللتين صارتا بعد الغزو الآشوري بالنسبة لليهود من الأطراف المنسية، لكونهما مدينتين حدوديتين تتعرضان أوَّلاً للنهب. وقد دمج فيها الآشوريون أعراقاً مختلفة، لتصبح بالنسبة لليهود أراضٍ مظلمة روحياً، حيث تكثر فيها العبادة الوثنية.
هذه الأراضي كانت دائماً آخر ما يراه الناس وأوَّل ما يضربه العدو. وكأنَّ الإعلان الإلهي اختار عمداً أن يبدأ من الهامش المنسي، لأنَّ النور لا يكون نوراً إلَّا حين يسطع على أكثر الأماكن ظلاماً.
تخوم زبولون ونفتالي
يقول النبي إشعياء:
“وَلَكِنْ لَنْ يُخَيِّمَ ظَلامٌ عَلَى الَّتِي تُعَانِي مِنَ الضِّيقِ، فَكَمَا أَذَلَّ اللهُ فِي الزَّمَنِ الْغَابِرِ أَرْضَ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِي، فَإِنَّهُ فِي الزَّمَنِ الأَخِيرِ يُكْرِمُ طَرِيقَ الْبَحْرِ وَعَبْرَ الأُرْدُنِّ، جَلِيلَ الأُمَمِ. الشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً، وَالْمُقِيمُونَ فِي أَرْضِ ظِلالِ الْمَوْتِ أَضَاءَ عَلَيْهِمْ نُورٌ” (إشعياء 1:9-2)
بالتأكيد سنُقدِّر النور عندما نكون في أقصى درجات العتمة، ومن سَمع هذه النبوءة ومن رأى المسيح كيف تمَّمها سيُقدِّر قوَّة النور لأنَّها أشرقت على أكثر المدن ظلمة، على مناطق زبولون ونفتالي التي كانت أوَّل المناطق التي غزاها الآشوريون، وكانت دائماً “منطقة رمادية” بين مملكة إسرائيل وبين الغرباء. حالة زبولون ونفتالي تُشبه حالة كثير من البشر الذين يقفون اليوم في منطقة وسطى بين الإيمان والعالم.
بطبيعة الحال، لم يكتب إشعياء نبوءته للخبراء في اللاهوت، بل كتبها للقلوب التي أثقلتها الظلمة. والجميل أنَّ النبوءة لا تكتفي بوعدٍ عام عن مجيء نور، بل تُحدِّد المكان بعناية وتصفه بـ”جليل الأُمم”. وكلمة الأُمم بالنسبة لليهود تصف كل من هو غير يهودي، أي أماكن فيها خليط بشري وثقافي وديني، فهي بذلك أماكن ملوَّنة، مُتعَبة، موجوعة، ومُظلِمة.
اقتبس متَّى هذه النبوءة ليُظهر كيف تمَّمها المسيح:
“وَإِذْ تَرَكَ النَّاصِرَةَ، تَوَجَّهَ إِلَى كَفْرَنَاحُومَ الْوَاقِعَةِ عَلَى شَاطِئِ الْبُحَيْرَةِ ضِمْنَ حُدُودِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، وَسَكَنَ فِيهَا، لِيَتِمَّ مَا قِيلَ بِلِسَانِ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ الْقَائِلِ: «أَرْضُ زَبُولُونَ وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، عَلَى طَرِيقِ الْبُحَيْرَةِ مَا وَرَاءَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، بِلادُ الْجَلِيلِ الَّتِي يَسْكُنُهَا الأَجَانِبُ، الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي الظُّلْمَةِ، أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً، وَالْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ الْمَوْتِ وَظِلالِهِ، أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ!»” (إنجيل متَّى 13:4-16)
وضع متَّى هذه النبوءة مباشرةً بعد عِماد المسيح وتجربته في البرِّيَّة، وكأنَّه يريد القول إنَّ النور الذي أشرق على زبولون ونفتالي هو نفسه النور الذي واجه الظلام في البرِّيَّة وانتصر. لكن الفكرة الرئيسية هنا أن النور ظهر بحضور المسيح، الذي يقول عنه يوحنا:
“فَالنُّورُ الْحَقُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ كَانَ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ.” (إنجيل يوحنا 9:1)
لكن الفكرة الرئيسية هنا أن النور ظهر بحضور المسيح
كيف تستفيد من نور المسيح؟
المسيح هو النور لأنَّه يُنير كل جانب مُظلم في حياتك، وهو يعطيك الفداء ويقودك إلى العلاقة الصحيحة مع الله. مهما كانت حياتك مظلمة، يقدر نور المسيح أن يسطع عليها.
قصة زبولون ونفتالي تُشبه حياة كثيرين اليوم، وتُشبه أماكن في حياتنا تطغى عليها الظلمة ومليئة بالألم. الميلاد يقول لنا إنَّ المسيح يأتي إلينا ويقبَلنا كما نحن، ولا ينتظرنا حتى نُرتِّب حياتنا. كثيراً ما نحاول الهروب من ضعفنا أو تجاهله. لكنَّ الله في الميلاد اختار أن يبدأ من أماكن منسية ومكسورة. هذا يُعلِّمنا أنَّ أكثر الأماكن التي نخجل منها في حياتنا قد تكون بالضبط المكان الذي يريد الله أن يلتقي بنا فيه.
المسيح هو النور الذي دخل عالمنا ليقودنا إلى الله. الميلاد يُذكِّرنا أنَّ النور لا يخاف الظلمة. وأينما وُجد المسيح، هناك دائماً بداية جديدة.

الكاتب: الأخ جمال
Theologian
مقالات مُشابِهة
الفرح والسلام الحقيقي
النضج الروحي المبكر
أقوال مسيحية شهيرة
