اختبر يسوع كإنسان المشاعر البشرية المؤلمة، لكن هل ضحك يسوع أو هل أضحك مُستعميه؟ سنجيب عن هذا السؤال في المقال التالي.
تُسجِّل لنا الأناجيل عدة مواقف اختبر فيها السيد المسيح مشاعر الحزن والبكاء، ومن أبرزها:
- عند قبر لعازر: في أقصر آيات العهد الجديد وأكثرها تأثيراً. “بَكَى يَسُوعُ” (يوحنا 35:11).
- على مدينة أورشليم: عندما أشرف عليها وتنبأ بخرابها. “وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا” (لوقا 41:19).
- في بستان جثسيماني: قبيل الصلب، حيث عبَّر عن ثقل المعاناة بقوله: “نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ” (متى 38:26).
ورغم هذه المشاهد، لا نجد في الأناجيل ذكراً صريحاً لضحك يسوع. فما هي الدلالة وراء ذلك؟
دلالات غياب “الضحك” في النص الإنجيلي
إن خلو الأناجيل من ذكر ضحك المسيح ليس مجرد سهواً من الكُتَّاب، ولا ليقولوا إنه لم يضحك أبداً أو بأنَّه كان ضد الضحك، بل يحمل هذا الصمت أبعاداً روحية:
- ثقل الفداء: الهدف الأساسي للتدوين كان إبراز رسالة المسيح الخلاصية، فهو “رجل أوجاع ومختبر الحزن”، أتى ليفدي العالم بموته.
- جدية الرسالة: البكاء يعكس عمق المشاركة الوجدانية للمسيح مع البشرية الساقطة، فالألم البشري كان المحرك الأساسي لعمله التجديدي.

لماذا بكى يسوع وهو صاحب السلطان؟
قد يتساءل البعض: لماذا بكى عند قبر لعازر وهو يعلم أنه سيقيمه؟ الإجابة تكمن في المشاركة الإنسانية. بكاء المسيح يشبه بكاء المؤمن الذي يثق في القيامة، لكنه يتألم لمرارة الفراق الجسدي. لقد تأثر يسوع بمشهد الموت الذي يسود على البشرية كعدوّ أخير، وبكى تعاطفاً مع المحزونين.
كذلك بكاؤه على أورشليم كان بكاءً على رفض الإنسان للسلام وضياع الفرص، وبكاؤه في البستان كان تعبيراً عن هول ثقل خطايا البشرية التي حملها على عاتقه.
دروس من “دموع المسيح”
نتعلم من بكاء يسوع ألَّا نستخف بآلام الآخرين. فالمعاناة، مهما بدت بسيطة للبعض، هي حقيقية ومؤلمة لصاحبها. تعزية الآخرين تبدأ من فهم ألمهم من وجهة نظرهم هم، تماماً كما فعل المسيح الذي انخرط في وجعنا الإنساني.
الضحك في الأناجيل “المنحولة” مقابل “القانونية”
تذكر بعض الأناجيل المنحولة (مثل إنجيل يهوذا) مواقف يضحك فيها المسيح، لكنه ضحك يحمل طابع الاستهزاء أو الاستخفاف بالتلاميذ لعدم فهمهم. وهذا يتناقض مع صورة المسيح في الأناجيل القانونية، الذي يتسم بالوداعة والصبر.
وإذا قارننا بين “سقراط أفلاطون” و”مسيح الأناجيل”، سنجد فرقاً جوهرياً: أفلاطون يقدم سقراط كإنسان عاقل مجرد من الانفعالات، لا يبكي أبداً بل قد يضحك بترفُّع. أما الإنجيل، فيقدم لنا المسيح الذي لا يفصل العقل عن العاطفة، ولا الحكمة عن المعاناة، بل يقدم إلهاً متجسداً ينخرط بكل كيانه في التجربة الإنسانية.
لماذا لم يُدوَّن ضحك يسوع؟
يجب أن نفهم غياب ذكر “الضحك” في سياق الفكر القديم (سواء في اليهودية أو الفلسفة اليونانية) آخذين بعين الاعتبار أن الضحك غالباً ما كان يحمل دلالات لاهوتية معينة كالإشارة للدينونة وأحياناً يشار إليه بأنَّه يُظهر أخلاقيات سلبية أو مثيرة للجدل، ممّا قد يفسر سبب تجنب كُتّاب الأناجيل تسجيله عن المسيح مع العلم أنّه لا بد أن يكون قد ضحك في مواقف عديدة ومن هذه الأسباب:
- ارتباط الضحك بالاستهزاء والتحقير: في العهد القديم، غالباً ما يرتبط ضحك الله بالدينونة أو السخرية من الأشرار (كما في مزمور 2: 4 السَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ). وكان يُنظر للضحك المفرط في الفكر اليهودي كعلامة على الطيش، ففي سفر الجامعة 3:7-6 نجد مقارنة واضحة تُعلي من شأن الحزن والجدية على “ضحك الجهال”.
- النظرة الفلسفية اليونانية: حذر العديد من مفكري تلك الحقبة سواء اليونانيين أو الرومان من الضحك المفرط، معتبرين إياه فقداناً للسيطرة على النفس .
لذلك، فإن تصوير يسوع وهو يضحك في ذلك العصر كان سيُعرِّض صورته لسوء الفهم، فقد يُفسَّر ضحكه على أنه استهزاء بالآخرين، أو عدم اكتراث بمعاناة البشر، أو نقص في الوقار والهيبة. اختار الإنجيليون التركيز على فكرة “رجل الأوجاع” ليؤكدوا أن رسالته كانت أسمى من أي صورة قد توحي بالاستخفاف أو السخرية.
الخاتمة
إن غياب ذكر “ضحك المسيح” في الأناجيل لا يعني أنه كان غريباً عن الفرح أو عدواً للبهجة، فهو الذي حضر عرس قانا الجليل وأعاد الفرح لأصحابه، وهو الذي تكلم عن “فرحه الذي يكمل فينا”. لكن الصمت الكتابي هنا يسلط الضوء على هوية “المُخلِّص” الذي لم يأتِ ليكون فيلسوفاً متعالياً أو مراقباً ساخراً، بل جاء ليكون “عمانوئيل” (الله معنا) في أعمق لحظات ضعفنا وانكسارنا. لقد قدَّس المسيح الدموع، ليحولها بآلامه وقيامته إلى فرح أبدي، مؤكداً لنا أن الألوهية الحقيقية ليست في التجرد من المشاعر، بل في القدرة على المحبة حتى البكاء، والبذل حتى الموت.

الكاتب: الأخ جمال
Theologian
مقالات مُشابِهة
ما هو التحقق (النقد) النصي؟
آيات عن الثالوث
هل ترك الله السماء عند التجسد؟
