ظنَّ أن ما يتمناه لا سبيل لتحقيقه سوى بطريقة واحدة، فاختارها… لكنها كلّفته ثمناً أكثر بكثير مما تخيَّل.
كانت سوسن تمشي ذهاباً وإياباً بلا هوادة والقلق يتآكلها. ها هي الساعة قد تجاوزت الثانية فجراً، وزوجها فارس لم يعُد إلى المنزل بعد، ولم يُهاتفها أو حتَّى يُخبرها بأنَّه سيتأخَّر، وهاتفه الجوَّال مغلق.
كانت قد حضَّرت له أطيب المأكولات التي يُحبها، منتظرةً وصوله لتزُفَّ له بفرح خبر حَملها بالطِّفل الذي طالما انتظراهُ طويلاً.
وحين بدأت خيوط الفجر تشق ظلام الليل، اتَّصلت بحماتها وسألتها بقلق وخوف إن كانت تعلم أيّ شيء عن ابنها. لكن الجواب الصَّادم الذي سمعته منها، فاقَ بسوئه كل توقُّعاتها، حين قالت: “نعم، أعرف أين هو، بالأمس عقدَ قِرانه على ابنة أُختي سُهى كي تُنجب له طفلاً، وقد سافرا لقضاء شهر العسل. وأنتِ يمكنكِ أن تختاري: إمَّا انتظار عودتهما في المنزل، أو الذَّهاب إلى بيت أهلك. هو من جهته سيُبقيكِ على ذمَّته ولن يتخلَّى عنكِ، وقد أخبرني أن أترك لكِ حريَّة القرار.”
كانت تلك الكلمات كافية لتحطيم قلب سوسن. كانت تسمع ما تقوله حماتها دون أن تنطق بكلمة، فقط تبكي من شدَّة الصَّدمة. وفي تلك اللحظات شعرت بالدِّماء تسيل على ساقيها، فعلِمت حالاً أنَّها أجهضت.
بداية جديدة
بعد ذلك اليوم، لم تتواصل سوسن مع زوجها أبداً، وأصرَّت على الطَّلاق منه. وبعد مرور سنتين، تعرَّفت على زميلٍ لها في العمل، فأحبَّها وأحبَّته، وتزوَّجت من جديد، ورُزقت منه بتوأمَين.
وذات مرَّة، التقَت صُدفةً بطليقها فارس في إحدى الحدائق، حيث كانت تلعب مع طفليها، فاقترب منها وقال لها: “هل تعلمين أنّي لم أُرزَق بأطفال؟ وقد قال لي الطَّبيب إنَّني غير قادر على الإنجاب.”
فأجابته: “سأُخبركَ بما لم تكن تعرفه، لقد قتلتَ ابنكَ بنفسك. نعم… في تلك الليلة التي لم تعُد فيها إلى المنزل، كنتُ أنتظرك بفارغ الصَّبر لأزُفَّ لك نبأ حَملي، لكن خبر زواجك الذي زفَّته لي أُمّك، كان كافياً لإجهاضي في التَّوِّ واللَّحظة.
قالت سوسن هذه الكلمات وابتعدت مع طفليها، بينما وقف فارس مصدوماً مذهولاً كأنَّما ثُبِّتت قدماهُ في الأرض، دون أن ينطق ببنتِ شَفة، لكن دموع النَّدم كانت تجري على خدَّيه كالسَّيل دون توقُّف.
العبرة
لا تتعجَّل في اتِّخاذ قرارات قد تُغيِّر مجرى حياتك. الصَّبر وانتظار توقيت الله هو عين الحكمة. تمسَّك بما لديك ولا تُفرِّط به، فقد تخسره وتندم عليه بعد فوات الأوان، لكن النَّدم لا يُعيد الزَّمن إلى الوراء. اطلُب إرشاد الرَّب وقيادته قبل أيّ تصرُّف، وتذكَّر أنَّ طُرقه وأفكاره لا تُشبه طُرقك وأفكارك.
“لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لأَفْكَارِكُمْ، وَلا طُرُقَكُمْ مِثْلُ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ.” (سِفر إشعياء 8:55)
مقالات مُشابِهة
الغفران
عدالة من نوع آخر
قصة سارة

