أحياناً يكون طريق النجاة مختبئاً في أبسط الأشياء، مثلما نجت بطلة هذه القصة من ورطتها.
شهدَ أحد البيوت ظلماً لا يُحتمَل. فتاة بريئة وجدت نفسها أسيرة في قبوٍ معزولٍ عن المنزل، بعدما قرَّر زوج والدتها أن يقطع عنها العالم ويحاصرها في ظلامه، لا لشيء إلَّا ليُطاردها بنواياه الخبيثة. وحين رفضت الانصياع له، أجبرها على كتابة رسالة كاذبة تُخبر فيها والدتها بأنَّها هربت مع حبيبٍ وهميّ، ليقتل في قلبها آخر خيطٍ من الأمل في أن يبحث عنها أحد.
كانت الأيام تمضي عليها بصعوبة، واليأس يضغط على أنفاسها، لكن في قلبها شُعلة صغيرة لم تنطفئ، وهي ثقتها بربِّها. كانت تُردِّد في سرِّها أنَّ ذراع الرَّب قديرة، وأنَّ الظُّلم مهما طال سوف ينتهي. وفي ليلةٍ موحشة، بينما ترك لها زوج والدتها طبق طعام، وقعت عينها على الملعقة. لم ترَها كمجرَّد أداة للأكل، بل كانت مفتاحاً صغيراً لحُرِّيَّتها.
بدأت تحفر في أسفل الحائط المؤدي إلى الحديقة، وكانت تُخفي مكان الحفر بوضع الوسادة عليه كلما دخل إليها زوج أُمها بالطعام، ثم تُتابع عملها حين يغادر. كانت يدها ترتجف أحياناً من التَّعب، لكنَّ قلبها كان ثابتاً يرى في كل حبَّة تراب تُزيحها خطوة نحو الحرِّيَّة والنُّور.
الضوء
وأخيراً، جاء اليوم الموعود حين أبصرت خيط الضَّوء يتسلَّل من الفجوة، فاندفعت بكل قوَّتها وراحت تزحف إلى أن وصلت إلى الحديقة، فراحت تركض وتضحك وكأنَّها إنسانة جديدة. وصلت إلى مركز الشُّرطة وهي تلهث من الجَري، وروَت لهم قصَّتها بصوتٍ متقطِّع لكنَّه مليء بالإصرار.
لم تمضِ ساعات حتى قبضت الشُّرطة على زوج والدتها، فسُجنَ لينال جزاء ما اقترفت يداه. أمَّا هي، فكانت تعرف أنَّ المعركة لم تكن بيدها وحدها، بل بيد الله الذي جعل من ملعقة طعام مفتاحاً للحُرِّيَّة، ومن فتاة أسيرة شاهدةً على أنَّ المُحال ممكن حين يمدّ الرَّب ذراعه القديرة.
العبرة
حتَّى في أقسى الظُّروف، قد يستخدم الله أبسط الأشياء لتحقيق العدالة والنَّجاة. ثِق بقضائه وقُدرته، ولا تفقد الأمل، فكل ما يبدو صغيراً أو عاديّاً قد يكون الوسيلة التي يُحقِّق بها الله مقاصده.
“إِذَا اجْتَزْتَ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ أَكُونُ مَعَكَ، وَإِنْ خُضْتَ الأَنْهَارَ لَا تَغْمُرُكَ. إِنْ عَبَرْتَ فِي النَّارِ لَا تَلْذَعُكَ. وَاللهِيبُ لَا يُحْرِقُكَ.” (سِفر إشعياء 2:43)
مقالات مُشابِهة
البحث عن الحقيقة
عدالة السماء
قصة سارة

