الغفران

Girl on a ledge with light all around

هذه قصة امرأة انتقلت من جحيم الألم إلى نور الغفران حين وجدت هويتها الجديدة في المسيح.

كانت الجلسة هادئة، لا تتعدَّى عشرَ نساء اجتمعنَ في إحدى قاعات الكنيسة مساء السبت ليتشاركنَ معاً تجارب الأسبوع المُنصرم كما جرت العادة. جلسنَ على شكل دائرة حول طاولة بسيطة يتوسَّطها كتاب مقدَّس. أرَدنَ إجراء تغيير على الاجتماع هذه المرَّة، فأُعطِيَت كل واحدة فرصة لتشارك كيف التقَت مع الرَّب في حياتها، هكذا إلى أن جاءَ دور سلمى.

تنحنحَت سلمى قليلاً، ثمَّ قالت بصوتٍ خافت: “أنا سلمى، وهذه أوَّل مرَّة أُشارك قصَّتي علناً… ليس لأنَّني نسيت، بل لأنَّني كنت أظن أنَّها لا تستحق أن تُروى.” سكتَت قليلاً، ثمَّ تابعت: “كبرتُ في بيتٍ يُشبه القبور، صامِتٌ من الخارج، لكن في داخلهِ موت. كان أبي… أبي الأرضِيّ، يعتدي عليَّ منذُ طفولتي. ليس مرَّة ولا اثنتين، بل أكثر بكثير. والأصعب من ذلك أنَّ أُمّي كانت تعرف. وقد رأَت بعينيها… لكنَّها آثرَت الصَّمت. كنتُ أظنُّ أنَّني بِلا قيمة، بِلا صوت، بِلا حق.”

انحَنت سلمى قليلاً كمن يتذكَّر وجعاً جسدياً قديماً، ثم تابعت تقول: “هربتُ حين بلغتُ الثامنة عشرة. ظننتُ أنَّني أهرب من الجحيم، لكنَّ العالم خارج بيتنا لم يكن فِردوساً. اغتُصِبتُ، وخُدِعتُ، وتُرِكت. وفي إحدى المرَّات، صعَدتُ إلى سطحِ مبنى، وقرَّرتُ أن أُنهي حياتي. فكَّرتُ حينها وقُلت: لا أحد سيشعر بغيابي، فحتَّى الذين أنجَبوني لا يفتقِدونني.”

لحظة التغيير

تأثَّرت النِّساء الحاضرات بحديث سلمى، ودمعَت أعيُن بعضهنّ، بينما أكملت هي: “لكن… هُناك، على ذلك السَّطح، أحاطَ بيَ نورٌ لا يُشبه أيّ نور رأيته في حياتي. لم يكن ضوءاً من الشَّمس، بل دِفئاً اجتاحَ صدري. وفجأةً سمعتُ صوتاً في أُذني يقول: (يا ابنتي، أقبِلي إليّ). كلماتٌ قليلة… لكنَّها كانت كافية لتُذيب الجليد المُتراكم في قلبي من سِنين طويلة. عندها شعرتُ بحنانٍ لم أعرفه من قبل. شعرتُ بأنّي محبوبة، بأنّي لستُ نجسة، وأني لستُ ضحيَّة فقط… بل، اِبنة.”

رفعَت سلمى رأسها أمام الحاضرات، لكن هذه المرَّة بثقة أكبر، وقالت: “في ذلك اليوم، لم أنزل من السَّطح بجسدي فقط، بل بولادة جديدة غيَّرت فيَّ الكثير. ومنذ تلك اللَّحظة، نذَرتُ حياتي لمن فداني على الصَّليب، وصرتُ أعرف قيمتي الحقيقية من خلاله. فأنا لم أعُد اِبنة الألم، بل اِبنة الملِك، اِبنة الآب السَّماوي الذي أحبَّني وأنقذَني روحياً وجسدياً.”

وما إن انتهت من حديثها حتَّى سألتها إحدى النِّساء بصوتٍ مُتهدِّج: “وهل سامحتِ أباكِ الأرضيّ؟” فأجابت بعد أن بلَّلت دمعتها خدَّها: “نعم، سامحتهُ… لأنَّ الذي سامحني على كل خَطاياي، علَّمني أنَّ الغُفران ليس ضعفاً، بل قوَّة وحُرِّيَّة. فإن كنتُ أنا، المكسورة، قد نِلتُ نِعمة الله العظيمة، فكيف لا أُعطي منها من لا يعرفها؟”

العبرة

إن كُنتَ قد تعرَّضتَ للأذى أو الظُّلم من أقرب النَّاس إليك، تذكَّر أنَّ الله وحده يستطيع أن يُرمِّم نُدوب الأسى من أعماقك، ويُحيي ما دمَّرتهُ السِّنين في روحك. وحين تتعرَّف على الله، ستكتشف أنَّ الغُفران لا يُبرِّر الشَّر، لكنَّه يُحرِّرنا من عِبء الحقد، ويكسر قيد الكراهية الذي يأسِر أرواحنا. الله لا يُبدِّل ماضينا، لكنَّه يهَبنا هويَّة جديدة، لا تُلوِّثها خطايا الآخرين. هويَّة نقيَّة مبنيَّة على نعمته اللَّامحدودة ومحبَّته اللَّامُتناهية.

“إِنَّ أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي، لَكِنَّ الرَّبَّ يَتَعَهَّدُنِي بِرِعَايَتِهِ.” (مزمور 10:27)


مقالات مُشابِهة

حب التملّك (قصة حقيقية)
الإيمان القوي يغير العالم
قصة سارة


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.