في المقال التالي تعريفٌ لأحد أهم الأمور التي تميز الكتاب المقدس.
لاحظ النُّقاد والمؤمنون على حدٍّ سواء أن الكتاب المقدس ليس مجرَّد نصٍّ دينيّ، بل هو ظاهرة سردية ولغوية فريدة. فكيف يمكن لمجموعة من الكتب، كُتبت على مدار أكثر من ألف عام، وبأقلام أنبياء ورعاة وملوك وصيادين وكتَبة، أن تتآلف في نسيجٍ قصصيٍّ ولاهوتيٍّ متماسك، يحافظ على أنماط سردية موحَّدة، ويطوِّر ثيمات رمزية لا تنفصم عُراها من سِفر التكوين حتى سِفر الرؤيا؟ هذا السؤال إذا طُرِح بإنصاف، يضعنا أمام احتمال يتجاوز مجرَّد الصُّدفة أو العبقرية البشرية.
هذه العبقرية السردية لفتت نظر العديد من النُّقاد الأدبيِّين غير المسيحيين، إذ يقول روبرت ألتر عن كاتب سِفر التكوين: “فنان أدبي لامع”¹، ويُشيد في كتابه بطريقة حَبك القصص ومدى تفوُّق أُسلوبها ومعناها على كتابات تلك الأيام. ويؤكِّد هذه الفكرة هارولد بلوم الذي يقول: “ما يُظهره نَصّ *J لناقد أدبي مُحنَّك هو قُدرات كاتب مذهل.”²
أمثلة عن الانسجام السردي
- موضوع “الذبيحة”
تبدأ القصة في تكوين 3، حينما يُغطّي الله عُري آدم وحوَّاء بجلد حيوان، في أوَّل تضحية غير مُعلنة. ثم تتكرَّر في قصة هابيل، وتظهر بوضوح مع كبش الفداء في قصة إسحاق، ثم تُشرَّع في الذبائح الموسَويَّة، لتصل إلى ذروتها الأدبية واللاهوتية في حمَل الله الذي يرفع خطيئة العالم (يوحنا 29:1). هذا التسلسل لا يمكن أن يُفهم إلا كنمط مقصود، وليس مجرَّد تكرار ديني اعتباطي. إن الذبيحة ليست مجرَّد حدث طقسي، بل هي رمز حَيّ يُفسّر الماضي ويكشف المستقبل.
- موضوع “الخروج”
الخروج من مصر ليس مجرَّد حدث تاريخي، بل يتحوَّل إلى نمط روحي ينعكس في خروج إسرائيل من بابل، وفي خروج المسيح من مصر، وفي خروج النفس البشرية من عبودية الخطيئة، كما يتجلَّى في رسالة العبرانيين. بل إنَّ سِفر الرؤيا يُقدِّم لنا خروجاً نهائياً من العالم القديم إلى أورشليم الجديدة. من أين أتى هذا الترابط العجيب؟ هل يمكن أن يصدُر عن مؤلفين مختلفين دون إشراف خفي؟ طبعاً بإمكان هذه اللائحة أن تطول.
- موضوع “البرية”
البرية في الكتاب المقدس ليست مجرَّد مكاناً جغرافياً، بل مسرَحاً للتكوين الروحي. فكما سلكَ الشعب في البرية بعد الخروج، سارَ إيليا أيضاً نحو جبل الله، وسلكَ يوحنا المعمدان في البرية وهو يُهيِّئ الطريق للرب، وأخيراً، اقتيدَ المسيح نفسه إلى البرية ليُجَرَّب. تتكرَّر البرية كمرحلة فاصلة بين العبودية والدعوة، بين القديم والجديد، وتُصبح رمزاً للتنقية والاستعداد. هذا النمط لا يظهر كصُدفة بل كنمطٍ روحيّ متعمَّد ومتكرِّر.
- موضوع “الماء”
من الفوضى المائية في سِفر التكوين، إلى عبور البحر الأحمر، إلى الماء الخارج من الصخرة، إلى معمودية يوحنا، ثم حديث المسيح عن “ماء الحياة”، يتكرَّر الماء كرمز للخلق والخلاص والتطهير. ويبلغ ذروته في سِفر الرؤيا حيث يوجد نهر ماء الحياة يخرج من عرش الله. المعنى يتطوَّر مع كل ظهور، في وحدة رمزية مذهلة لا يمكن تفسيرها على أنَّها محض تطابقات بلاغية.
بين العبقرية الأدبية واللمسة الإلهية
قد يُفسِّر البعض ذلك بأنَّه تراكُم إبداع جماعي كما في الأساطير أو الملاحم. لكن الفرق هنا أنَّ الكتاب المقدس لا يحمل فقط وحدة الموضوع، بل أيضاً تطوُّراً مفاهيميّاً دقيقاً، حيث كل صورة رمزية تُهيِّئ الطريق لما بعدها، وتنضج تدريجياً حتى تُفهم في ضوء شخص المسيح. إنه ليس مجرَّد تكرار، بل تنبُّؤ وتحوُّل واستعلان.
لا يمكن أن ننكر وجود تحرير لاحق لبعض النصوص، أو أثر الثقافة القديمة في أساليب التعبير. لكن ما لا يمكن تفسيره طبيعياً هو تلك الشبكة المتماسكة من المعاني التي لا تنفَك تتداخل في قصص متباعدة زمنياً، كأنَّ الكاتب واحد، والرُّؤية واحدة، والغاية واحدة.
ما لا يمكن تفسيره طبيعياً هو تلك الشبكة المتماسكة من المعاني التي لا تنفَك تتداخل في قصص متباعدة زمنياً
الكتاب المقدس يبدو كقصر شُيِّد عبر قرون، كل جيل أضاف حجرة أو جداراً أو قُبَّة، لكن العجيب أنَّ التصميم الكُلِّي متناسق تماماً، وكأنَ كل بنَّاء رأى المخطَّط النهائي قبل أن يضع حجَره. هل هذا ممكن إنسانيّاً؟ ربما. لكن هل هو مرجَّح؟ قطعاً لا.
من هنا، فإنَّ الانسجام السَّردي والرمزي في الكتاب المقدس هو من أقوى الشهادات الموضوعية على وجود لمسة إلهية في تكوينه. لمسة لا تُلغي الأقلام البشرية، بل تُلهِمها، ولا تُبطِل السِّياقات الزمنية، بل تُوجِّهها، بحيث يصبح النص البشري مجالاً لانكشاف المعنى الإلهي.
فإذا سألك أحدهم: لماذا تؤمن أنَّ هذا الكتاب من عند الله؟ فقل له: لأنَّ فيه حكاية واحدة، رغم كثرة الأصوات. خيوط متعدِّدة، لكنها تُحاك في نَولٍ واحد. أصوات كثيرة، لكنها كلها تتجاوب مع نغمة غير مرئية، آتية من وراء الزمان. هذه ليست مصادفة. هذه لمسة الله.
*المقصود ب “J” هو أحد مصادر نصوص التوارة.
- The Art of Biblical Narrative. Robert Alter.
- The Book of J. Harold Bloom.
مقالات مُشابِهة
تطابق من دون سابق تصميم: دليل على مصداقية الأناجيل
ما هو الكتاب المقدس؟

