لطالما آمن البشر بوجود كائنات أقوى منهم، وبوجود حياة أخرى بعد الموت، لكن لماذا؟ وما هي دلالة ذلك؟ الإجابة في هذا المقال.
منذ أن بدأ الإنسان يعي وجوده، بدأ يطرح الأسئلة الكبرى عن ذاته ومصيره. كان يرفع عينيه إلى السماء في حيرة وجهل، يُفتِّش عن معنى يُبرر به وجوده، وسِرّ يُفسِّر كل هذا الوجود الممتد حوله. لم تكن حياته مجرَّد صراع مع الطبيعة لأجل البقاء، بل كانت وما تزال رحلة نحو غاية أسمى، نحو ما لا يُرى ولا يُلمس، ولكنه يُستشعَر في الأعماق كحقيقة لا تُقاوَم.
تفسيرات علم النفس الحديث
حين حاول علماء النفس التطوريون (الذين يعتقدون أنَّ الإنسان تطوَّر من كائنات بدائية، وطوَّر مُحفِّزات سلوكية تساعده على البقاء، كالعنف والخوف…) تفسير هذا التوجُّه الديني لدى الإنسان في ضوء نظريات البقاء والانتقاء الطبيعي، وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة لا يمكن إنكارها: الميل الفطري عند البشر نحو الإيمان، أو على الأقل، الشعور بوجود قوة غَيبيَّة مُتعالية. فهل كان هذا الميل جزءاً من أدوات البقاء؟ هل تطوَّر الإنسان ليؤمن بأنَّ الإيمان يضمن له البقاء داخل الجماعة، ويمنحه الطمأنينة أمام قسوة العالم؟
لقد افترض بعض العلماء أنَّ الدماغ البشري يميل طبيعياً لرؤية القصد والإرادة خلف الظواهر. فحين كان الإنسان القديم يرى البرق أو يسمع الرعد أو يُصاب بمرض مفاجئ، لم يكن يرى هذه الحوادث باعتبارها أحداثاً طبيعية صرفة، بل كان يميل إلى تفسيرها بأنها صادرة عن إرادة خفية، عن كائن فوقي يُرسل الرسائل أو يُنزل العقوبات. ومن هذا الميل، وُلدت البدايات الأولى لفكرة “الإله”.
ولعلَّ تطوُّر هذا الإيمان كان له فوائد اجتماعية كبرى، إذ ساعد في ضبط السلوك داخل المجتمعات، فحين يعتقد الناس أنَّ ثمَّة إلهاً يراقبهم حتى في غياب السُّلطة البشرية، فإنهم يكونون أكثر ميلاً للعدل والانضباط، وهذا ما يمنح المجتمعات استقراراً واستمرارية. لذلك يرى بعض الباحثين أنَّ الإيمان بالله أو بالآلهة قد خدمَ وظيفة بقاء اجتماعية.
لكن، أيكفي هذا التفسير لإدراك عمق الظاهرة الدينية في النفس البشرية؟ أيمكن أن يكون الإله مجرَّد وسيلة لضبط المجتمعات، أو اختراعاً دفاعياً لمواجهة الخوف من الموت والعدم؟ هنا تظهر محدودية النظرة التطورية المادية. فالإيمان، كما تُبيِّنه التجربة الإنسانية، ليس فقط استجابةً للخوف، بل هو أيضاً توقٌ للخلود، وحنينٌ إلى الكمال، وشعورٌ بجلال لا يمكن التعبير عنه بكلمات. إنه إحساس داخلي، أصيل، لا يولد من منطق بارد، بل من احتكاك الروح باللانهائي.
لقد رأى فرويد أنَّ الدِّين هو “وهم”، اخترعه الإنسان ليعوِّض عن هشاشته في وجه الوجود، وليجد في صورة “الأب الإلهي” ملاذاً نفسياً يُعوِّض فقدان الأمان. لكنه، في اختزاله هذا، أضاع جمال التجربة الدينية، وحوَّلها إلى مجرَّد عرَض مرَضي. إنَّ ما لم يفهمه فرويد أو تجاهَله هو أنَّ الإنسان لا يتوق إلى الله لأنه ضعيف فحسب، بل لأنه يشعر بأنَّ وجوده نفسه لا يكتمل إلَّا باتِّصاله بالمُطلَق، وأنَّ الحياة المادِّية، مهما ازدادت فيها الملذَّات، لا تروي العطش الداخلي للمعنى. ¹
التفسير المسيحي
لو تأمَّلنا في طبيعة التَّوق البشري، لوجدنا أنَّ كل رغبة كبرى في الإنسان تُشير إلى وجود موضوع خارجي يُشبعها: فالجوع يدل على الطعام، والعطش يدل على الماء، والشوق إلى الحب يدل على وجود الآخر. فهل يكون الشوق إلى الله هو الاستثناء الوحيد؟ أليس الأجدر أن نُفسِّر هذا التَّوق الغامض بأنه دلالة على وجود إله، وليس على وهم؟
هذا ما ذهب إليه اللاهوتي سي. إس. لويس، حين تحدَّث عن الرغبة الموجودة في الإنسان والتي لا يمكن لأيِّ شيء في هذا العالم أن يُشبِعها، فالتفسير المنطقي الوحيد هو أنَّ البشر خُلقوا لعالمٍ آخر. لقد رأى لويس أنَّ الإيمان ليس فقط منطقياً، بل هو امتداد طبيعي لاحتياجات النفس العميقة. ²
فالتفسير المنطقي الوحيد هو أنَّ البشر خُلقوا لعالمٍ آخر
إنَّ في الإنسان “حنيناً إلى العلُوّ”، شعوراً داخلياً يرافقه منذ الطفولة حتى الشيخوخة، بأنَّ هناك “شيئاً أعظم”، شيئاً لا تُدركه الحواس، لكنه يفرض نفسه على الضمير، ويجعل الإنسان يشعر بأنه مُراقَب، ومحبوب، ومقصود. وإن كان هذا الشعور قد تطوَّر مع الإنسان (لو سلَّمنا جدلاً بصحَّته)، فلا مانع أن يكون هذا التطوُّر عينه هو الطريقة التي أعدَّ بها الله النفس البشرية لتتلقَّى نداءه. فكما تتطوَّر الأذن لتسمع، والعين لتُبصر، قد تكون الروح تطوَّرت لتُدرِك الله.
وهنا نلاحظ الفرق بين الإيمان بالله والإيمان بالتنانين أو الأساطير. فالتنِّين يُمثِّل الخوف والتهديد، أمَّا الله كما يتجلَّى في الفكر الديني العميق، فهو الخير الأسمى، والنظام الكوني، والعلَّة الأولى، والمحبَّة غير المشروطة. فحتى إن تشابهت بعض آليات تكوُّن هذه الأفكار في الدماغ البشري، فإنَّ مضامينها ودورها في تشكيل الوعي والسلوك مختلفة جذرياً.
فالسؤال ليس فقط: “لماذا نؤمن؟”، بل: “لماذا لا نستطيع التوقُّف عن الإيمان؟”، ولماذا تستمر فكرة الله في العودة حتى في أكثر العصور عقلانيةً ومادِّية؟ ولماذا نجد في أعماق كل حضارة، وكل شاعر، وكل مُتصوِّف، وكل إنسان بسيط، بذرةً من هذا التَّوق الأبدي إلى ما وراء الظاهر؟
فالسؤال ليس فقط: “لماذا نؤمن؟”، بل: “لماذا لا نستطيع التوقُّف عن الإيمان؟”،
ربَّما يكون هذا هو السِّر: أنَّ الإيمان ليس مجرَّد وهم، بل هو استجابة لنداءٍ أصلِيّ، لصوتٍ عميق في القلب البشري يقول: “لقد خُلِقتَ أيُّها الإنسان لشيءٍ أعظم”.
- The Future of an Illusion. Sigmund Freud.
- Mere Christianity. C. S. Lewis.
مقالات مُشابِهة
ما هو التحقق (النقد) النصي؟
آيات عن الثالوث
هل ترك الله السماء عند التجسد؟

