كيف يمكن للإيمان المسيحي تقديم إجابة مُعزِّية في أوقات الألم؟ الإجابة في المقال التالي.
دارَ حوارٌ بيني وبين صديقٍ كان قد أصبح لا دينيّاً بعد معاناته لسنين مع الحروب والفقر في بلاده. كان هذا الصديق يعيش في إحدى الدول العربية التي مزّقتها الحروب، فمن نجا فيها من الرصاص والمدافع واجه الجوع والعَوَز. قاسى هذا الرجل كثيراً خلال تلك الفترة، وأدرك أن الدين كان سبباً رئيسيّاً في الحال التي آلت إليها بلاده، ولاحظ كيف أن أكثر المتديّنين هم الأشدّ إجراماً.
راسلني هذا الشخص قائلًا:
“لا يمكن أن يوجد إلهٌ كهذا، فكيف يسمح بكل هذه الأمور؟ لقد أصبحتُ مقتنعاً بأنه غير موجود، وإن وُجد، فعليه أن ينزل ويتألّم مع هؤلاء الناس ليشعر بعذاباتهم، ويُعاقَب مثلهم، لأنه يستحق العقاب”.
وكان جوابي له:
“بالرغم من أنه لا يستحق، وغير مُلزَم، فهذا بالضبط ما فعله الله!”.
كانت الإجابة صادمة له، إذ لم يكن يعرف عن الإيمان المسيحي، وقد تكون صادمة لك أيضاً، عزيزي القارئ، كما قد يبدو العنوان غريباً. لكن غرابتها بالنسبة لك لا تعني أنها غير صحيحة، بل تعني أنها تحتاج منك قليلاً من التأمّل، وكثيراً من الانفتاح.
في هذا المقال، لن نقدّم إجابة شافية وكافية عن سبب وجود الشر والمعاناة، لكنّنا سنسلّط الضوء على جانب مميّز في الإيمان المسيحي.

مشهد من رواية الأخوة كارامازوف
في الكتاب الثاني من رواية “الأخوة كارامازوف”¹ للروائي الروسي فيودور دوستويفسكي، نجد رسالة قوية وعميقة تتناول مسألة الشَّر في العالم، وكيف يُقدِّم الإيمان المسيحي تفسيراً لها. تتجلَّى هذه الرسالة في حوار بين إيفان، الأخ العقلاني المُلحِد، وأليوشا، الأخ المتواضع المؤمن.
كان يبدو أنَّ إيفان لا يُهزم في حجَّته، وكان كمن يحمل دفتر اتِّهام في وجه السماء، حُفرت فيه أسماء الأطفال المذبوحين، والضحايا الذين لم يُنصفهم أحد. كان كلامه حادّاً كالسَّيف… فأين الحكمة في تعذيب وقتل الأبرياء؟ وأيُّ خيرٍ أسمى يمكن أن ينبثق من هذه الفظائع؟ وأين هو الإله المُحب في وسط كل هذا الدمار؟
أمَّا أليوشا، فلم يحمل في فمه سيفاً، ولا في جيبه دواءً يشفي الجراح. لم ينظر إلى أخيه كخصمٍ في مُناظرة، بل كطفلٍ تائه في متاهة العدالة. وحين فرغ إيفان من نحيبه العقلي، من سرده للظُّلم، من رفضه للحكمة الإلهية خلف الألم، والتي في رأيه تُدفع من دم الأبرياء، لم يُجبه أليوشا بردٍّ عقلاني كما كان يتوقَّع… بل احتضنهُ بعاطفته.
وكأنَّ دوستويفسكي أراد أن يقول: هناك نوع من الشَّر لا يُجاب عليه بالكلام، بل بحضورٍ يُشاركك الألم. تماماً كما فعل المسيح.
المفتش الأكبر
في الفصل التالي، يروي إيفان قصة “المُفتِّش الأكبر”، وفيها يعود المسيح إلى إسبانيا في القرن السادس عشر، لكنه لا يلقى ترحيباً من رجال الدِّين، بل يُعتقل ويُقاد إلى المحاكمة. يُعلن المُفتِّش الأكبر أنَّ البشر لم يعودوا بحاجة إليه، فقد أقاموا حضارة بدون الله، حضارة تُشبع الجوع، لكنها تُميت الروح.
وفي محاكمة غريبة، يبدأ المُفتِّش بتوبيخ المسيح على رِقَّة تعاليمه، زاعماً أنَّها لا تصلُح لعالم البشر القاسي، وأنَّه ينوي حرق المسيح كما كانوا يحرقون الهراطقة. لكن المسيح لا يَرد عليه، لا يُجادله، لا يَلعنه، ولا يُقدِّم له دفاعاً لاهوتياً. بل ينهض… ويُقبِّله، قُبلة واحدة. صمتٌ نابض بالمحبة، أقوى من كل منابر الأرض. وحينها، رغم جبروته، اضطربَ المُفتِّش.
وهكذا فعل أليوشا. لم يُسقِط حجج أخيه، بل احتملها، ومن خلالها رأى الجرح في قلبه. فأجابه كما يُجيب الله الإنسان في الألم: أنا معك. ثمَّ نهضَ في نهاية الحوار، وقبَّل أخاه… هو الآخر.
الإله الذي لم يُبرّر الألم، بل حمله على كتفيه
لا توجد رؤية كَونيَّة تستطيع أن تُفسِّر وجود الشَّر في العالم تفسيراً شافياً كافياً. صحيح أنَّه يمكننا تفسير بعض جوانبه (كسقوط الإنسان الأول، أو حرِّية الإرداة، إلخ) لكن تبقى هناك أُمور مُبهَمة لا جواب لها. مثال على ذلك: ما الحكمة من وجود طفل مصاب بالسرطان؟ ما الخير الأسمى الذي يمكن أن ينبثق من تألُّم طفلة صغيرة عُذِّبت وقُتلت بوحشية؟
في مواجهة هذه الأسئلة، يتميَّز الإيمان المسيحي بشيء فريد، فهو لا يُقدِّم إجابة عقلانية مُجرَّدة، بل يُقدِّم حقيقة وجودية: أنَّ الله نفسه تألَّم معنا. حقيقة قد تبدو مُستهجَنة للبعض، لكنَّها تحمل قوَّةً في غرابتها، وصدقاً في غموضها.
فهو لا يُقدِّم إجابة عقلانية مُجرَّدة، بل يُقدِّم حقيقة وجودية: أنَّ الله نفسه تألَّم معنا
حين يواجه الإنسان الشَّر، فإنَّه لا يحتاج إلى شرح وتفسير بقدر ما يحتاج إلى حضور. فمهما كانت المعادلات التي تحاول تبرير موت طفل، أو حدوث مجاعة، أو سقوط قذيفة على بيت نائم، فهي لا تصمد أمام دمعة حقيقية. فالمُتألِّم يريد أن يجد من يسمعه حين يصرخ، من يشعر بألمه، من لا يزجر صرخته. وهنا، تنفصل المسيحية عن سائر الرُّؤى.
ألبر كامو، الفيلسوف المُلحد الذي رفض تبريرات الفلاسفة، لم يستطع إلاَّ أن يتوقف عند صورة المسيح. ليس كإلهٍ مُنتصر، بل كإلهٍ مكسور. وقد رأى فيه ما لم يجده في آلهة المنطق، فبالنِّسبة له المسيح هو الإله الذي اختار أن يتألَّم، لا ليُبرِّر الألم، بل ليُرافق الإنسان فيه.
يقول ألبر كامو: “إنَّ تضحية إله بريء وحدها هي التي تُبرِّر العذاب الشامل للأبرياء، ذاك العذاب الذي لا ينتهي. إنَّ شدَّة معاناة الله نفسه هي التي ما يُخفِّف من عذاب الإنسان… وبما أنَّ المسيح قد تألَّم، وعانى طوعاً، فإنَّ المعاناة لم تعد ظالمة… إذا كان كل شيء، دون استثناء، في السماء والأرض محكوماً عليه بالألم والمعاناة، فإنَّ شكلاً غريباً من السعادة يغدو مُمكناً…. [فالمسيح] الإله الإنسان يعاني أيضاً، بصبر. لم يعد من الممكن نسب الشَّر والموت إليه بالكامل، لأنه يعاني ويموت… لقد تخلَّى الإله ظاهرياً عن امتيازه التقليدي، وعاش حتى النهاية، بما في ذلك اليأس، وعذاب الموت…”²
صحيح أنه لا يوجد رؤية كونية قادرة على تقديم تفسير نظري كامل لوجود الشَّر، لكن المسيحية تُقدِّم ما هو أعمق من التفسير، تُقدِّم صرخة. “إلهي، إلهي، لماذا تركتَني؟” هذه الجملة هي صدى لكل قلب مكسور، وقد وضعها الله نفسه على لسانه. ففي المسيح، صار الله صرخة بشرية، لا إجابة سماوية.
ما من ديانة تجرَّأت أن تقول: الله مات. وما من فلسفة تجرَّأت أن تهمس: الله تألم. لكن المسيحية لا تُقدِّم هذه التصريحات كأفكار صادمة، بل كأعمق حقيقة عرفها الوجود: أنَّ الله نزل إلى قاع البئر، لا ليصرخ من فوق الحفرة ويقول “اصبر”، بل ليجلس تحت، ويقول “أنا هنا”.
في مواجهة الشَّر، لا تقول المسيحية: “هذا ضروري لأنَّ خطَّة الله أعظم ممَّا نفهم.” بل تقول: “الله دخل الألم قبلك. قَبِله، واحتمله، ومات فيه، ثمَّ غلبه.”
لذلك، فالإجابة المسيحية عن الشَّر ليست حجَّة منطقية، بل شخصٌ مصلوب. وهنا يكمن الفرق الجوهري: أنَّ الشَّر في المسيحية ليس سؤالاً فلسفياً، بل مسرحاً لحُبٍّ غير مُفسَّر… لكنَّه محسوس. فالمسيحية لا تُفسِّر وجود الشَّر بفكرة، بل بشخص، ليست إجابة ذهنية، بل حقيقة وجودية.
- الأخوة كارامازوف – الجزء الثاني
- اقتُبست في كتاب “السير مع الله في الألم والمعاناة” تأليف تيموثي كيلر.
مقالات مُشابِهة
ما هو التحقق (النقد) النصي؟
آيات عن الثالوث
هل ترك الله السماء عند التجسد؟

