تعرَّف معنا في المقال التالي على شخصية كتابية لا تسمع عنها كثيراً.
قدَّم لنا إنجيل لوقا في الإصحاح الثامن لمحة قصيرة لكنها عميقة الدلالة عن مجموعة من النساء اللواتي كُنَّ يُرافقن يسوع ويُساعدنه في الخدمات التي تتطلَّب عملاً نسائياً، وكُنَّ يُساعدنه بشكل رئيسي من أموالهن. يقول النَّص:
“بعْدَ ذلِكَ أَخَذَ يَجُولُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ وَاعِظاً وَمُبَشِّراً بِمَلَكُوتِ اللهِ وَكَانَ يُرَافِقُهُ تَلامِيذُهُ الاِثْنَا عَشَرَ، وَبَعْضُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ، وَهُنَّ: مَرْيَمُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَجْدَلِيَّةِ الَّتِي طَرَدَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ، وَيُوَنَّا زَوْجَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ، وَسُوسَنَّةُ، وَغَيْرُهُنَّ كَثِيرَاتٌ مِمَّنْ كُنَّ يُسَاعِدْنَهُ بِأَمْوَالِهِنَّ.” (لوقا 1:8-3)
وسط هذه الأسماء يبرز اسم “يوَنَّا” زوجة خوزي وكيل هيرودس. قد تبدو الإشارة إليها عابرة في النَّص، لكن نظرة أعمق تكشف أمامنا قصة إيمان استثنائية انتصرت على العديد من التوترات الاجتماعية والدينية والسياسية. إنها قصة امرأة تقف عند تقاطُع عالَمين متناقضين: عالَم السُّلطة المرتبط بهيرودس، وعالَم الملكوت الذي أعلنه يسوع.
تضحيات يوَنَّا
لم تكن يوَنَّا امرأة عادية في السياق الاجتماعي لذلك الزمن. زوجها خوزي كان وكيلاً لهيرودس، أي شخصاً ذا منصب إداري رفيع في بلاط الحاكم الذي ارتبط اسمه بالظلم والفساد، والذي كان ينظر إلى يسوع بعين الريبة والتهديد. هذا وحده يضع يوَنَّا في موقع معقَّد للغاية. فهي، من جهة تنتمي إلى بيت له صلة مباشرة بالسُّلطة السياسية، ومن جهة أُخرى نراها ضمن الحلقة القريبة من يسوع، تخدمه وتدعمه. هذا التناقض يُثير أسئلة كثيرة حول رحلتها الداخلية مع نفسها قبل رحلتها العلنية مع المسيح، والقرار الجريء الذي اتخذته حين اختارت أن ترتبط بخدمته. صحيحٌ أنها على الأغلب في تلك الفترة كانت أرملة، لكن هذا لا يُلغي التحديات التي كانت موضوعة أمامها.
اسمها نفسه، بصيغته اليونانية، يوحي بانفتاح ثقافي أو بيئة غير مُنغلقة دينياً بالمعنى التقليدي. كما أنَّ اسم زوجها خوزي ليس من الأسماء اليهودية، ما جعل بعض الدارسين يُرجِّحون أنها ربَّما كانت تنتمي إلى عائلة أقل تشدُّداً في الالتزام بالحدود الدينية والاجتماعية الصارمة، وربَّما أعطت اعتباراً أكبر للمكانة والمصلحة الاجتماعية عند الزواج. في مجتمع كان يُشدِّد على الزواج داخل الإطار الديني والقومي، وهذا أيضاً بحسب ما أوصاه الكتاب المقدس لبني إسرائيل. يبدو إذاً أنَّ زواجها جزءاً من عالَم المصالح والنفوذ. ومع ذلك، لا يُخبرنا الإنجيل شيئاً عن خلفيَّتها الروحية السابقة، بل يُركِّز على واقع جديد وهو أنَّ هذه المرأة أصبحت من أتباع يسوع.
من المرجَّح أنها اختبرت في حياتها حدثاً مفصلياً دفعها إلى هذا التحوُّل. يذكر لوقا أنَّ بعض النساء اللواتي كُنَّ مع يسوع شُفينَ من أمراض أو تحرَّرن من أرواح شريرة. ربَّما كانت يوَنَّا واحدة منهن، وربَّما رأت في يسوع سلطاناً روحياً وسمعت حقاً لم تعرفه من قبل في عالَم القصور والنفوذ. أيّاً كان الدافع المباشر، الواضح أنها ترجمت ما اختبرته إلى التزام عملي تجلَّى في الخدمة والعطاء، ولم تكتفِ بإعجاب صامت.
1. استمرَّت يوَنَّا رغم الرفض المفترض من المجتمع الجديد الذي انتمت إليه
لم يكن هذا القرار سهلاً. فكامرأة مرتبطة بدائرة الحكم، كانت لا بُدَّ أن تواجه شكوكاً من جهة التلاميذ والناس. كيف يثق أتباع يسوع بامرأة زوجها يعمل لدى هيرودس؟ ألن تُعتبر مصدر خطر أو على الأقل مصدر ريبة؟ من السَّهل تخيُّل الهمسات من خلف ظهرها، والنظرات المتحفِّظة، والأسئلة غير المُعلنة حول دوافعها. كانت تحمل معها عبئاً اجتماعياً ثقيلاً، ومع ذلك لم يذكر الإنجيل أنها تراجعت أو انسحبت. استمرارها في الخدمة وسط هذه الأجواء يدل على إيمان ناضج لا يعتمد على قبول الناس أو راحتها الشخصية، بل على اقتناع عميق بشخص يسوع ورسالة الملكوت.
2. ضحَّت يوَنَّا بمجتمعها القديم الغني الذي خرجت منه
هناك أيضاً جانب التضحية الاجتماعية. امرأة معتادة على مستوى معيشي مُريح، ولباس راقٍ، وطعام وفير، تجد نفسها تسير مع جماعة من التلاميذ أغلبهم صيَّادو سمك وبُسطاء من الجليل. الفارق الطبقي والثقافي كان واضحاً بلا شك. فالانتقال من بيئة القصور إلى طرق القرى والغبار والأسفار المُتعبة لم يكن مجرَّد تغيير جغرافي، بل تغيير نمط حياة كامل. كانت تجلس مع أُناس قد لا يُشاركونها الخلفية الاجتماعية نفسها، ولا العادات ذاتها، ولا أُسلوب الحديث نفسه. ومع ذلك، قبلت هذا الانحدار الظاهري في المكانة، لأنها رأت في القُرب من يسوع قيمة تفوق كل امتيازات العالَم القديم الذي عرفته.
3. ضحَّت يوَنَّا بأموالها
كانت تضحيات يوَنَّا أيضاً عملية ومُكلِفة، فإنجيل لوقا يذكر صراحةً أنَّ هؤلاء النساء كُنَّ يخدمن يسوع من أموالهن. هذا يعني أن يوَنَّا استخدمت مواردها، التي ربَّما جاءت من موقع زوجها المرموق، لدعم خدمة يسوع والتلاميذ. ففي عالَم يعتمد على الضيافة والدعم المادي للبقاء، كان لعطائها دور حقيقي في استمرار الحركة التي أسَّسها يسوع. لم تكن مجرَّد مُستمعة أو مُتعاطفة، بل شريكة فعلية في العمل، تُموِّل وتُساند وتسُدّ الاحتياجات اليومية.
وهنا تبرز مفارقة لا بُدَّ من الوقوف عندها، فأموال بيت مرتبط بالسُّلطة التي تُعادي يسوع تُستخدم لدعم رسالة يسوع نفسها. كأنَّ الله يعمل من داخل تناقضات الواقع، ويُحوِّل حتى الموارد القادمة من أماكن غير متوقَّعة إلى أدوات لخدمة مقاصده. وبذلك تصبح يوَنَّا جسراً غير منظور بين عالَمين مُتصارعين.
تعليقات ختامية
أيضاً تكشف لنا قصة يوَنَّا شيئاً أساسياً عن مكانة النساء في خدمة يسوع. ففي مُجتمع كان كثيراً ما يُهمِّش دور المرأة في المجال الديني العام، نجد يسوع يقبل خدمتهن، ويجعل منهنَّ جزءاً من جماعته المُتنقِّلة، ويعترف عملياً بقيمة عطائهن. تُشكِّل يوَنَّا مع مريم المجدلية وسوسَنَّة وأُخريات، شهادة حيَّة على أنَّ التلمذة ليست حكراً على الرجال، وأنَّ العطاء الروحي والمادي والشجاعة في الإيمان ليست مرتبطة بجنس أو طبقة اجتماعية.
الأجمل في قصتها أنَّ الإنجيل لا يُعرِّفها فقط من خلال زوجها كما كان شائعاً آنذاك، رغم ذكر منصبه، بل يضع اسمها الشخصي في الواجهة. هذا التفصيل الصغير يحمل كرامة كبيرة، فهي ليست مجرَّد “زوجة فلان”، بل شخصية لها قرارها وإيمانها ومسيرتها الخاصة مع المسيح. هويَّتها الجديدة لا تُختزل في علاقتها ببلاط هيرودس، بل تتأسَّس في علاقتها بيسوع.
من خلال يوَنَّا نتعلّم أنَّ الطريق مع المسيح قد يمر عبر سوء الفهم والشكوك والتنازلات الاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً لحياة ذات معنى أعمق. نتعلَّم أنَّ الخلفية المعقدة لا تمنع الدعوة، وأنَّ الله لا ينتظر ظروفاً مثالية ليجذب الإنسان إليه. ونتعلَّم أنَّ الخدمة الحقيقية هي استعداد لوضع الإمكانيات والراحة والمكانة في خدمة ما نؤمن أنَّه حق.
تقف يوَنَّا في الإنجيل كصوت هادئ للوهلة الأولى، لكنه قوي جداً بعد نظرة عميقة إلى النص، صوت يهمس، بل يصرخ عبر القرون بأن الإيمان الشجاع قادر أن يعبر الحدود، ويكسر الصوَر النمطية، ويُحوِّل حتى أكثر المواقع التباساً إلى مساحة نعمة وخدمة.

الكاتب: الأخ فرح
Minister & Theologian
مقالات مُشابِهة
مصادر خارجية تؤكد على أحداث ذكرها العهد الجديد
هل بإمكاننا أن نعرف من كتب الأناجيل؟
متى كتبت الأناجيل؟
