Man on hill before sun in sky

التَّجسُّد هو نقطة انطلاقة التَّعاليم المسيحيَّة. ظهور المسيح في الجسَد هو ذروة أعمال الله في الخليقة، ففيه تمَّم وعوده، أوفى بعهده لبني البشر على الرَّغم من أنَّهم كاسِرين للعهد، وأظهر لهم إحسانه المُتسامي. إليكم بعض التَّوضيحات عمَّا نؤمن به حول التَّجسُّد.

قد يطرح أحدهم السُّؤال التَّالي: إن كان المسيح هو الله فمن كان يحكُم الكَون عندما تجسَّد المسيح؟ الإجابة تكمُن في فهم طبيعة الله في المسيحيَّة، فهذا السُّؤال يَفترض أنَّ الألوهيَّة ستُحَدّ عند أيّ تجَلّي إلهي في الخليقة، كما أنَّه مبني على فرضيَّة أُخرى مُسبقة وخاطئة وهي أنَّ طبيعة الله وحدانيَّة مُطلَقة دون وجود تعدُّديَّة فيها، وهذا ما لا يؤمن به المسيحيُّون لأنَّه:

  1. يُعارض تعاليم الكتاب المقدَّس وإعلان الله عن نفسه فيه، لذلك نحن نؤمن أنَّ طبيعة الله هي وحدانيَّة جامِعة فيها الآب والاِبن والرُّوح القدُس، الثَّالوث الأقدَس.

  2. يتعارض مع ما تفترضه طبيعة الله بحُكم التَّعريف. إذ إنَّ وجود الله كوحدانيَّة مُطلَقة لا يضمن كمال عمل صفاته دون أن يطرأ عليه تغيير، كما أنَّه اعتقاد لا يتماشى مع أزليَّة صفات الله وضمان عمل هذه الصِّفات أزليّاً، الأمر الذي لا يضمنه سوى الإيمان بأنَّ طبيعة الله هي وحدانيَّة جامِعة.¹

الله هو كائن واحد في الجوهر لكن في ثلاثة أقانيم: آب، اِبن، وروح قدُس. في التَّجسُّد أُقنوم الاِبن هو من تجسَّد وليس الآب ولا الرُّوح القدُس، فليس كل الجوهر الإلهي تجسَّد، مُخلِياً نَفْسه. إذا ما كان هذا المُعتقد نقطة انطلاقنا نستطيع أن نفهم بشكل واضح وجَلِيّ كيف أنَّ إطلاق هكذا سؤال من الأساس ليس في مكانه. يتحدَّث الكتاب المقدَّس عن أنَّ الاِبن هو من أخلى نَفْسه:

“إِذْ إِنَّهُ، وَهُوَ الْكَائِنُ فِي هَيْئَةِ اللهِ، لَمْ يَعْتَبِرْ مُسَاوَاتَهُ لِلهِ خُلْسَةً، أَوْ غَنِيمَةً يُتَمَسَّكُ بِهَا؛ بَلْ أَخْلَى نَفْسَهُ، مُتَّخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً شَبِيهاً بِالْبَشَرِ؛ وَإِذْ ظَهَرَ بِهَيْئَةِ إِنْسَانٍ، أَمْعَنَ فِي الاِتِّضَاعِ، وَكَانَ طَائِعاً حَتَّى الْمَوْتِ، مَوْتِ الصَّلِيبِ.”. (فيلبّي 6:2-8)

incarnation in arabic

أخلى نفسه

إخلاء النَّفْس لا يعني ترك الألوهيَّة بل توضح لنا هذه العبارة معنى التَّجسُّد، أنَّ المسيح هو من سيقوم بدَور الإنسان وسيصير بشبه البشر، يعلِّق على هذه الآية عالِم اللَّاهوت وأُستاذ اللُّغة اليونانيَّة جايمس وايت بالقول: “دائماً ما يَستخدم بولُس الرَّسول العبارة المُترجمة (أخلى) بشكل مَجازي، لا يقول بولُس أنَّ يسوع لم يعُد هو الله، أو أنَّه توقَّف بأيّ شكل من الأشكال عن المُساواة مع الآب، لكنَّه تخلَّى طائعاً عن الامتيازات التي كانت له. عندما سارَ الرَّب يسوع على هذه الأرض، لم يرَهُ النَّاس ككائن سماوي مجيد، لأنَّ مجده كانَ محجوباً. باستثناء جبَل التَّجلِّي، حيث رآه قِلَّة مختارون في لمحة من مجده الحقيقي. وكما قال إشَعياء أنَّ بقيَّة البشر نظَروا إلى من هو مُحْتَقَرٌ وَمَنْبُوذٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ آلاَمٍ وَمُخْتَبِرُ الْحُزْنِ، مَخْذُولٌ كَمَنْ حَجَبَ النَّاسُ عَنْهُ وُجُوهَهُمْ فَلَمْ نَأْبَهْ لَهُ. (إشَعياء 2:53)”²

يقول توما الأكويني مُقتبِساً من أُغسطينوس حول نفس الموضوع: “لا تنُصّ العقيدة المسيحيَّة في أيَ مكان على أنَّ التَّجسُّد هو ترك الأُلوهيَّة، أو أن ينكمِش حاكم الكَون داخل هذا الجسَد الضَّعيف. هذا هو فِكر الرِّجال غير القادرين على رؤية أيّ شيء سوى الأشياء المادِّيَّة… إنَّ عظَمة الله ليست في الكُتلة كما في التَّصنيفات البشريَّة، بل في القُدرة. ومن ثمَّ فإنَّ عظَمة قُدرته لن تكون في ضيق خلال تجلِّيها في جسم محدود.”³ إنَّ الرَّب يسوع فعلَ هذا برَغبة منه، لا تذكُر الآية أعلاه أنَّ المسيح قد أُفرِغَ قسراً كما لو أنَّ هناك قوَّة خارجيَّة أو شخصاً قد أجبَرهُ على ذلك، بل إخلاء النَّفْس كانَ طَوعيّاً.

الثالوث أساس التجسد

الثَّالوث كنقطة انطلاقة يوضح لنا أيضاً كيف كان المسيح يُصلِّي عندما كان في الجسَد (لوقا 12:6)، فهو كان يَرفع الصَّلاة لله الآب، وقد أعلنَ عن الآب أنَّه الإله الحقيقي وحدهُ بالتَّبايُن مع الآلهة المُزيَّفة (يوحنَّا 3:17)، دون أن يكون غرَض هذا الإعلان إنقاص لأُلوهيَّة الاِبن، وفي الجسَد أقرَّ المسيح أنَّه أخلى نَفْسه مُعلناً أنَّ الآب أعظم منه (يوحنَّا 28:14)، وهذا لا يعني أنَّه أعظم في الأُلوهية بل في الدَّور وذلك نتيجة الإخلاء الذي سبق وتحدَّثنا عنه، لذلك المسيح كان يقول أنَّ ساعة مجده هي ساعة الصَّليب ليتمجَّد بالمجد الذي كان عند الآب قبل تأسيس العالَم (يوحنَّا 5:17).

حتى من وجهة نظَر الدِّيانات الموَحِّدة الأُخرى، إن أرادَ الله أن يتجلَّى فمن غير المُمكن أن تُحَدّ الذَّات الإلهيَّة بما هو محدود، لكن أيضاً من غير المُمكن أن لا يتمكَّن الله من الإعلان عن نفسه من الخليقة. الله بحُكم التَّعريف غير محدود، لكنَّه قادر أن يُعلن عن نفسه في جزء من خليقته لأنَّ الخليقة كلّها تُعلِن عن وجود الله، لذلك إن تجلَّى الله في خلقه، فهذا لا يعني أنَّ الله لم يعُد هو الله.

هذا التَّجسُّد إذاً لا يعني أيّ تغيير في الله أو في طبيعته، أو في الجوهر الإلهي فهو ليس نقصان. الله الاِبن لبس جسداً بشريّاً، وبذلك تكون آلامه التي اختبَرها مُقتصِرة على آلام الجسَد، فاللَّاهوت لا يتألَّم، لا يموت، لا يجوع، لكن كل ذلك اختبَرهُ المسيح في ناسوته أي طبيعته البشريَّة، وهذا ما يُعلنه كاتب الرِّسالة إلى العبرانيِّين الذي قال أنَّ المسيح عبر التَّجسُّد سيُعِين ضعفاتنا لأنَّه اختبَرها وسيكون رئيس كهَنة قادر أن يشفع لنا كبشَر لأنَّه عاينَ تجاربنا، لكنَّه طبعاً دونَ خطيئة:

“فَلَمَّا قَصَدَ اللهُ، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَبِهِ كُلُّ شَيْءٍ، أَنْ يُحْضِرَ إِلَى الْمَجْدِ أَبْنَاءً كَثِيرِينَ، كَانَ مِنَ اللاَّئِقِ أَنْ يَجْعَلَ قَائِدَهُمْ إِلَى الْخَلاَصِ مُؤَهَّلاً عَنْ طَرِيقِ الآلاَمِ … وَبِمَا أَنَّهُ هُوَ نَفْسَهُ، قَدْ تَأَلَّمَ وَتَعَرَّضَ لِلتَّجَارِبِ، فَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يُعِينَ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلتَّجَارِبِ.” (الرِّسالة إلى العبرانيِّين 10:2، 18)


هذا التَّجسُّد إذاً لا يعني أيّ تغيير في الله أو في طبيعته


هذا لا يعني أنَّ الله في لاهوتهِ ينقصه شيء من المعرفة بل إنَّ اللَّاهوت لا يمكن أن يختبر أيّ صِفَة نقص كأن يتعرَّض للأذى مثلاً كما حصل مع الجسَد البشَري للمسيح، يقول اللَّاهوتي ستيفين شارنوك: “منحَ تجسُّد الأُقنوم الثَّاني من الثَّالوث تعاطُفاً تجريبيّاً لم يكُن للطَّبيعة الإلهيَّة أن تختبره، وبالتَّالي فإنَّ فعاليَّة وظيفة المسيح الكهَنوتيَّة، من جميع جوانبها، تعتمد على اتِّحاد الطَّبيعتين في واحدة. فالتَّجسُّد هو أحد الطُّرق العديدة التي أظهر بها الله حكمته للبشر”. أمام هذا العمل الإلهي الرَّائع من أجلنا لا يسَعنا إلَّا أن نقف مذهولين، ونتأمَّل بعظَمة الله خاشِعين، وبنعمته التي ظهرَت بتجسُّد الرَّب يسوع المسيح.

man with out streatched arms at sunrise

الكاتب: الأخ فرح

Theologian, Minister

  1. .صفات الله مثلاً كصِفَة كُلِّيّ العِلم والمعرفة، لا يمكن أن تكون صِفة أزليَّة إلَّا إن كان الله عالِماً ومعلوماً قبل الخلق، وإلَّا يكون بذلك أنَّ الله طرأَ عليه تغييراً فيه عندما خلق الكَون إذ قد اكتسب أمراً جديداً لم يكن يعلمه، لذلك الثَّالوث هو ضرروة تفرضه الكتب المقدَّسة ويُلزمه المنطق. لمعلومات أكثر راجع ضرورة وجود الله كثالوث – مقالات – النمو في المسيح (annamu-fi-almassih.com)
  2. The Forgotten Trinity: Recovering the Heart of Christian Belief. James R. White.
  3. Summa Theologica. Thomas Aquinas.
  4. A Puritan Theology: Doctrine for Life. Joel R. Beeke, Mark Jones.


مقالات مُشابِهة

كيف يمكن لله أن يتجسد؟
ليش تجسد الله؟
الكريسماس


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.