Old testament vs new testament

هل الله الذي أُعلِن لنا عبر المسيح في العهد الجديد هو نفسه الإله الذي أمرَ بحروب العهد القديم؟ سؤال يُطرح كثيراً وسنجيب عنه في هذا المقال.

من المهمّ تعريف ما نقصده بكلمة “عهد” هنا قبل الدُّخول بالتَّفاصيل. يذكر الكتاب المقدَّس أنَّ الله قطع عهوداً كثيرة مع شعبه (مع آدم، نوح، إبراهيم، موسى، داود) قبل العهد الأخير (الجديد)، الذي تنبَّأ عنه أنبياء العهد القديم (إرميا 31:31)، لكنَّني سأستخدم كلمة “عهد قديم” بحسب الاستخدام التَّقليدي للكلمة، أي في الإشارة إلى كل الحقبة الزَّمنيَّة التي تغطِّيها الأسفار التي سبقت مجيء المسيح، فهي نفس التَّسمية التي يُطلقها كاتب الرِّسالة إلى العبرانيِّين على عهد الكهنوت اللَّاوي (العبرانيِّين 13:8)، كما أنَّ كل تلك العهود كانت ظلّاً لعهد النِّعمة أي ممهِّدةً له.

قد يلاحظ القارئ الجديد للكتاب المقدَّس أنَّ الله في العهد القديم يأمر بالحروب، ويقود بني إسرائيل في دخولهم إلى أرض كنعان ويأمرهم بقتل الشُّعوب القاطنة هناك، لكن في العهد الجديد يدعو المسيح شعبه للسَّلام، ويظهَر بأنَّه رافض للعنف، ويدعو لأسمى أنواع ضبط النَّفس، ولمحبَّة الأعداء ومسامحة الآخرين. قد يبدو من خلال القراءة السَّطحيَّة أنَّهما إلَهان مختلفان، فالفروقات بين العهدين عديدة لكن لها أسبابها وأهدافها، لن ندخل في تفاصيل الاختلاف والتَّطابق بينهما وأين يتداخلان ويتقاطعان من النَّاحية اللَّاهوتيَّة والتَّطبيقيَّة، بل سنُسلِّط الضَّوء على مسألة الفرق الظَّاهري بين إله يأمر بالحروب وإله يأمر بالسَّلام، وسنرى ما إن كان إله العهد القديم هو نفسه إله العهد الجديد.

new testament in arabic

مارقيون ورفض العهد القديم

ما ذُكِر أعلاه هو ليس بفكرة جديدة، بل نجد جذوره في منتصف القرن الثَّاني للميلاد مع شخص اسمه “مارقيون” أحد الأساقفة في تلك الفترة. وقد آمنَ مارقيون أنَّ هناك إلهَين مختلفَين وأنَّ إله العهد القديم شرِّير، أمَّا المسيح إله العهد الجديد هو الإله المُحبّ، لذلك رفضَ كل ما له علاقة بالعهد القديم وتمسَّك فقط ببعض نصوص العهد الجديد، وهي جزء من إنجيل لوقا ومعظم رسائل بولُس الرَّسول.

شكَّل الرَّد على مارقيون جزءاً لا بأس به من كتابات المسيحيِّين في تلك الفترة، فالجميع انهمكَ بالرَّد عليه وتفنيد أفكاره، وقد صُنِّف من الكنيسة بأنَّه هرطوقي. لم تعِش تعاليمه كثيراً بل انتهت بعد بضعة عقود وذلك لأنَّ في تعاليمه رفضاً للإيمان المسيحي القويم. لكن طيف المارقيونيَّة يبقى ظاهراً على مرّ العصور خاصَّةً في الحركات المسيحيَّة التي لديها مَيل لمُعاداة اليهود وترفض العهد القديم وتعتبره نَصّاً يهوديّاً. تجلَّت المارقيونيَّة بقوَّة (مع بعض الاختلافات) مع الحركة اللِّيبراليَّة¹ للقرن التَّاسع عشر والتي ترفض سلطة الوحي المكتوب وتعتمد فقط على الاختبار الشَّخصي مع المسيح.

ليبراليُّو القرن التَّاسع عشر كفريدريك شلايرماخر ورودولف بولتمان المتأثِّران بالفلسفة الوجوديَّة يُصِرَّان على أنَّ الدِّين هو الاختبار الذَّاتي للإنسان بمعزل عن الكلمة المكتوبة، وبالتَّالي فصَلا المسيح عن الإنجيل المكتوب. تمَّ الاستهانة بالنُّصوص المكتوبة باعتبارها عقَبات أمام لقاء الإنسان بالله. ليس من المستغرَب إذاً أن يُصِرّ بولتمان على تفسير الحركة المسيحيَّة المبكِّرة بمعزل عن قصَّة إسرائيل في العهد القديم، لأنَّ الدِّين بحسب رأيه ليس إخباراً عن الماضي، بل عن اختبار الكِرازة المسيحيَّة في الحاضر. لذلك لا عجب أن يمتدِح أحد هؤلاء اللِّيبراليُّون مارقيون بالقول: “نيَّة مارقيون أن لا يعرف إلهاً آخر غير ذلك الذي ظهرَ في المصلوب… لقد طوَّر باستمرار ديانته الباطنيَّة… كما يتَّضح في تعامله القاسي مع الطَّابع المتناقض للدِّين، …مارقيون هو الشَّخص الثَّابت، بالنِّسبة له يجب أن يكون الدِّين الحقيقي واضحاً وشفَّافاً…”² مشكلة مارقيون الرَّئيسية كانت عجزه عن التَّوفيق بين العهد القديم والعهد الجديد.

Old testament in arabic

الفروقات بين العهد القديم والعهد الجديد

هذا السُّؤال لا يمكن معالجة كل جوانبه بمقال واحد، لكن سنسلِّط الضَّوء على فكرة واحدة وهي المقارنة بين العنف في العهد القديم، والسَّلام في العهد الجديد. سنتحدَّث عن ثلاث نقاط ستحلّ لنا هذه المشكلة.

1. فارق الفترات الزمنية

يغطِّي العهد القديم فترة تمتدّ لآلاف السِّنين، بينما يغطِّي العهد الجديد أقلّ من مئة عام، لذلك الأحداث التَّاريخيَّة المذكورة في العهد القديم تختلف عن تلك التي نقرأ عنها في العهد الجديد.

يبدأ العهد القديم مع آدم وينتهي مع عودة المسبيِّين من بابل، كما أنَّه يخبرنا كيف أسَّس الله دولة بني إسرائيل بعدما أخرجهم من أرض العبوديَّة من مصر. أصبحت إسرائيل دولة تتبنَّى حُكم الشَّريعة اليهوديَّة التي أوحاها الله لموسى، لكنَّها لم تكُن الخطَّة النِّهائيَّة لله، بل كان يُظهر عبر ما هو غير مُكتمِل وناقص كيف سيكون شكل المُكتمِل، أي طرح المشكلة، التَّمهيد للحلّ، والحلّ في النِّهاية (العهد الجديد).

هدف الله من إرساء شريعة فيها أحكام مدنيَّة لدولة، هو أن يُعَرِّف النَّاس على الحال التي فُرِضت عليهم بسبب شرورهم، أراهم الرَّب ما هو بحاجة لإصلاح لكي يكونوا فاهمين لعمل المسيح. لذلك اليوم عندما ننظر للعهدين نجد المشكلة والحلّ، كيف يجب أن تكون الأُمور بسببنا وكيف صارت وستصير بفضل نعمة الله.

2. الله يقود التاريخ نحو غاية معينة

العهد القديم يُظهر لنا ما كان يجب أن يكون، العهد الجديد أظهرَ لنا ما قد صار بنعمة الله. واحدة من الأفكار التي طرحها ترتليانوس في انتقاد أفكار مارقيون، وأجِدها مهمَّة جدّاً في هذا السِّياق، أنَّ إله مارقيون أعلنَ عن نفسه في التَّاريخ دون سابق تمهيد، أمَّا إله الكتاب المقدَّس أعلنَ عن نفسه بشكل تدريجي³، ممهِّداً عبر ما سبق لما سيأتي، وموضِحاً بذلك لماذا أتى المسيح ولماذا صُلِب، وما هو الهدف من الملَكوت الرُّوحي حتَّى قبل أن يأتي ويُصلَب ويؤسِّس الملَكوت.

أراد الله أن تكون مشيئته مُعلَنة للنَّاس، وأن يجِدوا سبباً لكل ما آلَت إليه الأُمور، وأن يكتشفوا محبَّة الله بالمسيح عبر الفداء، لذلك كان من المهم أن يُظهر لهم لِما الفداء، وهذا مُلخَّص الرِّسالة إلى العبرانيِّين التي تُظهر لنا كيف تمَّم المسيح الكهنوت اللَّاوي وأظهرَ المعنى الحقيقي لكل تلك الرُّموز. بكلمات فيرن بويتريس: “لقد تعامل الله عبر أجيال عديدة بصبر مع النَّاس في ظروف مختلفة تماماً عن ظروفنا، وأثبتَ أنَّه أمين. وقد تحدَّث معهم مراراً وتكراراً عن المسيح بالرُّموز والظِّلال التي كانت مناسبة لهم ولظروفهم، وليس لظروفنا مباشرةً. ولهذا السَّبب يختلف العهد القديم بشكل ملحوظ عن العهد الجديد في بعض النَّواحي. ومع ذلك، نظراً لأنَّ الله والمسيح نفسهما مُعلَنان في كِلا العهدين، فإنَّهما أيضاً مُتشابهان بشكل واضح في توجُّههما العام.”

3. العهدان يتحدثان عن القصة نفسها

حين قال المسيح:
“أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَبَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ” (إنجيل متَّى 44:5)
لم يأتِ بتعليم جديد هنا، بل كان يفسِّر ما جاء في العهد القديم:
“لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَحَدِ أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، وَلَكِنْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَمَا تُحِبُّ نَفْسَكَ، فَأَنَا الرَّبُّ.” (سِفر اللَّاويِّين 18:19)
“إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ، فَإِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْراً عَلَى رَأْسِهِ، وَالرَّبُّ يُكَافِئُكَ.” (سِفر الأمثال 21:25-22)

في العهد القديم نرى كيف كان الرَّب يؤدِّب الشُّعوب ببعضها، وقد استخدم الله شعبه في بعض الأحيان ليدين الشُّعوب الأُخرى، واستخدم أيضاً في أحيانٍ أًخرى شعباً آخر ليدين شعبه. صبرَ الله على الكنعانيِّين أكثر من 400 سنة وهم يقومون برَجاسات وتقديم ذبائح بشريَّة من الأطفال، لذلك من الغريب أن ندين الله لأنَّه أدانهم، فهو معطي الحياة وله الحق في أن يأخذها ويُنزِل قصاصه على الأشرار، فحتَّى لو أنَّ الله لم يُدِنهم، لكانَ أيضاً سيأتي مَن يدين الله لأنَّه سمحَ بهكذا شرور ولم يعاقب فاعليها. الله بحُكم التَّعريف مُطلَق الحكمة ويجب أن نثق به وبما يفعله. العهد القديم ليس كتاباً يأمر بالعنف، بل على العكس، وبالرَّغم من أنَّه يحتوي على أوامر بشَنّ بعض الحروب، إلَّا أنَّها ليست سوى دينونة من الله على تلك الشُّعوب.

المسيح أظهرَ محبَّة الله التي تجلَّت لشعبه في العهد القديم عبر العهود التي قطعها معهم بنعمةٍ منه، فهو أمر لا يستحقُّه النَّاس ولا يستطيعون الحصول عليه دون مبادرة الله. وكما يتحدَّث الله عن الدَّينونة (يوم الحساب) يتحدَّث المسيح أيضاً عن الدَّينونة الأخيرة بشكل مُكثَّف، مثل: (إنجيل متَّى 12:8، 28:10، 42:13، إنجيل لوقا 27:19).

يقول جون كالفن: “العهد الذي قطعهُ الله مع كل الآباء (في العهد القديم) يشبه إلى حدٍّ بعيد في الجوهر والواقع العهد الذي قطعهُ معنا، بحيث يمكن اعتبار العهدين عهداً واحداً… في غياب الحقيقة، يعكس العهد القديم فقط الصُّورة والظِّل بدلاً من الجوهر، أمَّا العهد الجديد فيُعلِن جوهر الحقيقة.”


العهد القديم يُظهر لنا ما كان يجب أن يكون، العهد الجديد أظهرَ لنا ما قد صار بنعمة الله


الخلاصة

خلاصة الموضوع أنَّ لله غاية من العهد القديم ومن كل الحروب فيه، وأنَّه لم يكُن الخطَّة النِّهائيَّة للبشر، بل تمهيداً وتحضيراً للنَّاس لكي يؤمنوا. يقول بولُس الرَّسول:

“إِذَنْ، كَانَتِ الشَّرِيعَةُ هِيَ مُؤَدِّبُنَا حَتَّى مَجِيءِ الْمَسِيحِ، لِكَيْ نُبَرَّرَ عَلَى أَسَاسِ الإِيمَانِ.” (رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل غلاطية 24:3)

“أَقُولُ أَيْضاً مَادَامَ الْوَرِيثُ قَاصِراً، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ أَيُّ فَرْقٍ، مَعَ أَنَّهُ صَاحِبُ الإِرْثِ كُلِّهِ، بَلْ يَبْقَى خَاضِعاً لِلأَوْصِيَاءِ وَالْوُكَلاَءِ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْفَتْرَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا أَبُوهُ. وَهذِهِ حَالُنَا نَحْنُ أَيْضاً: فَإِذْ كُنَّا قَاصِرِينَ، كُنَّا عَبِيداً لِمَبَادِىءِ الْعَالَمِ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ تَمَامُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ، وَقَدْ وُلِدَ مِنِ امْرَأَةٍ وَكَانَ خَاضِعاً لِلشَّرِيعَةِ، لِيُحَرِّرَ بِالْفِدَاءِ أُولئِكَ الْخَاضِعِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فَنَنَالَ جَمِيعاً مَقَامَ أَبْنَاءِ اللهِ.” (رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل غلاطية 1:4-5)

يُشبِّه بولُس الرَّسول شعب العهد القديم بالأولاد الذين كانوا تحت وِصاية أحد البالغين إلى أن يكبروا ويقدروا أن يحصلوا على الميراث. هذا يُظهر أنَّ الله منسجِم مع ذاته وليس أنَّه يغيِّر رأيه في التَّعاملات مع البشر، بل هو بحسب جون كالفن “يعلِّم ما يُلائم كل عصر. إن كان ربُّ البيت يعلِّم أولاده ويَسودهم ويُرشدهم بطريقة معيَّنة في طفولتهم، وبطريقة أُخرى في شبابهم، فيجب أن لا نعتبره بذلك متقلِّباً ونقول إنَّه تخلَّى عن غايته.” رسالة المسيح هي الرِّسالة النِّهائيَّة والأسمى للبشر، وقد أسَّس المسيح ملَكوتاً روحيّاً يجب أن يتميَّز المؤمنون فيه بأخلاق تعكس صورة المسيح، أخلاق سامية تُلفِت نظرك عند قراءة سيرة حياة هذا الشَّخص العظيم، الذي ستظَلّ تعاليمه تدوِّي وتنتشر إلى أن يأتي ثانيةً ويكمِّل الملَكوت.

man with out streatched arms at sunrise

الكاتب: الأخ فرح

Theologian, Minister

  1. الليبرالية هي حركة مسيحية بدأت في القرن التاسع عشر كرَدّ فعل على الأفكار التي نشأت مع الفترة التي عُرفت بالتنويرية، بهدف الحفاظ على التعاليم المسيحية وسط النقد المتزايد للأدلة على وجود الله والنقد التاريخي للأديان، وكانت النتيجة إلغاء سلطة الكتاب المقدس باعتباره مجرد محاولة من تلك الشعوب لتفسير وجود الله. الديانة الليبرالية ترتكز فقط على الاختبار البشري، لذلك تسمح الكنائس الليبرالية اليوم بزواج المثليين جنسياً.
  2. Marcion: The Gospel of the Alien God. Adolf Harnack.
  3. Against Marcion. Tertullian.
  4. The Shadow of Christ in the Law of Moses. Poythress, Vern S.
  5. كتاب اسس الدين المسيحي ج1 جون كالفن – دار منهل الحياة و كلية اللاهوت الشرق الادنى – تحميل pdf (christianlib.com)
  6. Ibid

مقالات مُشابِهة

ما معنى أن المسيح ابن الله؟
ما هي نبوءات العهد القديم التي تممها يسوع؟
شرح العقيدة المسيحية


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.