wilting flower

نقرأ في سِفر القُضاة عن حادِثة فريدة من نَوعها، أحد القُضاة الذين اختارهم الله يقوم بأمر غير اعتيادي، إيفاء لما زعمَ أنَّهُ نذراً لله. ما تفسير هذه الحادثة؟ الإجابة في المقال التالي.

يَفتاح كان رَجُل حرب من مدينة اسمها جِلعاد، يصفه الكتاب المقدَّس بأنَّهُ جبَّار بأس. اضطُهِدَ من إخوته لأنَّ أُمَّهُ لم تكن زوجة شرعيَّة لأبيه، الأمر الذي جعله يترك سُكناه ليُقيم في أرض أُخرى. لكن سبب طردهم له كان لأجل الميراث وليس لأجل العار والسُّمعة، لأنَّ وجود أبناء غير شرعيِّين كان شائعاً في تلك الأيَّام خاصَّة مع وجود علاقات جنسيَّة مرتبطة بالعبادة الوثنيَّة وسط من كان يجب عليهم أن يعيشوا وفق شريعة الرَّب، لذلك لا عجب أنَّ سِفر القُضاة ينتهي بالقول:

“فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَعْمَلُ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ.” (القُضاة 25:21)

لكن للمصلحة كلمتها دائماً، فمع اشتداد الحرب على بني إسرائيل من العمُّونيِّين، أتى شيوخ قومه إليه طالبين منه أن يساعدهم في الحرب لا بل حتى أن يقودهم بها. وافق يَفتاح على ذلك ومضى بهم إلى المعركة، وبعد إحرازه انتصارات عديدة وخلال استعداده للمعركة الحاسِمة نَذرَ لله نَذراً قائلاً:

“… «إِنْ نَصَرْتَنِي عَلَى بَنِي عَمُّونَ، فَإِنَّنِي عِنْدَ رُجُوعِي سَالِماً مِنْ مُحَارَبَةِ بَنِي عَمُّونَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ مُحْرَقَةً: أَوَّلَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِي لِلِقَائِي».” (القُضاة 30:11-31)

عندما يكون الإنسان خائفاً من رحلةٍ ما ويتمنَّى العودة سالماً أو خائفاً من اشتداد الحرب عليه، فهذا يعني أنَّهُ يكون في فترة من تأجُّج المشاعر، وغالباً ما يلتجئ الإنسان لله ويسأله التَّوفيق في ذلك الأمر، وفي أيَّام القُضاة كان النَّذر لله أمراً شائعاً بين النَّاس. لا شكّ أنَّ الانتصارات الأُولى التي أحرزَها يَفتاح في المعركة أعطته شُعوراً بالنَّشوة فلَم يعُد يفكِّر سوى بالحَسم، وفي لحظةٍ من عدم التَّفكير بتداعِيات القرارت، وفي وقتٍ انصبَّ فيه كل تركيزه على اللَّحظة التي يعيشها وعلى المعركة فقط، نطق بهذه الكلمات دون أيّ تفكير جدّي بما يقوله، فانحصر كل تفكيره في الحرب ولم يعُد يرى سوى مجد الانتصار، مُتغاضياً عن التَّكلفة حين قال في نَذرهِ أنَّ أوَّل من يخرج من بيتي سأقدِّمهُ ذبيحة للرَّب.

ما لم يحسب له حساب

بحسب العُلماء الذين يَدرسون تلك الحقبة الزَّمنيَّة فإنَّ البيوت كانت تحتوي على اصطبلات ومزارع خارج البيت تكون مليئة بالحيوانات، لكن من غير المتوقَّع أن يخرج حيوان لمُقابلة يَفتاح، لأنَّ البعض قد يظن أنَّ يَفتاح كان في بالهِ ربَّما ذبيحة حيوانيَّة، لكن الحالة ليست هكذا هنا، لأنَّ من يخرج عادةً أوَّلاً للقاء السَّادة هو أحد العبيد العامِلين في المنزل لمُساعدة ربّ المنزل واستقباله. لذلك فإنَّ نَذر يَفتاح يُظهر لنا استخفافه في حياة العاملين في بيته فهو كان مستعدّاً لأن يُضحِّي بحياة أحدهم لأجل نَذره. والاستخفاف بحياة العبيد كان اعتياديّاً على عكس ما علَّمَ الرَّب في الشَّريعة، وذلك بسبب تأثيرات الوثنيِّين السَّلبيَّة على شعب الرَّب التي سبق وحذَّرهم منها. لكن الذُّروة الدراميَّة هي خروج ابنته للقائه، الأمر الذي لم يحسب له يَفتاح حِساب.

ففي النَّذر لم يذكر يَفتاح اِسم من يُريد أن يوفي النَّذر على حسابه، في إشارة منه لتَرك الأمر لله في إظهار هذا الشَّخص وكأنَّ الله راضٍ عن هذه الذَّبيحة من الأساس، وكَون يَفتاح هو أحد الرِّجالات الذين اختارهم الله، لذا لا شكّ أنَّ الرَّب كان يُريد أن يُعلِّم يَفتاح دُروساً من هذه الحادثة عبر خُروج ابنته من بيته أوَّلاً على عكس توقُّعاته.

Old testament in arabic

الدرس الأول

أراد فيه الله أن يُعلِّم يَفتاح قيمة الحياة البشريَّة حتى ولو كان العالَم من حَول يَفتاح يستخفّ بحياة العبيد ويراها رخيصة، لكنَّها عند الله كحياة أيّ إنسان، فالعبد أيضاً مخلوق على صورة الله ومثاله. لا شكّ أنَّ يَفتاح تعلَّم هذا الدَّرس لكن بالطَّريقة الصَّعبة، فلا يجب أن نستخفّ بالآخرين حتى لو كان شأنهم أقلّ من شأننا سواء اجتماعيّاً، ثقافيّاً، أو أيّ مُستوى آخَر، فقيمة الإنسان بإنسانيَّته وبأنَّهُ من صُنع الله ومخلوق على صورته.

الدرس الثاني

وفيه يضع الله يَفتاح تحت صدمة عاطفيَّة، يُريهِ فيها الواقع المرير أمامه ممَّا قد يجعله يعيد النَّظر بما فعَل لكي يُدرِك أنَّ هذا النَّذر باطِل من الأساس، لأنَّ الذَّبائح البشريَّة بحسب توراة موسى هي رِجس عند الرَّب. لكن يَفتاح ظنَّ أنَّ الغاية أهمّ من الوَسيلة حتى لو لم تكُن قادرة على تبريرها. خياراتنا يجب أن تكون متوافقة مع كلمة الله، وليست وفق أيّ استحسان منّا أو من وجهة نظَر بشريَّة، فالكتاب المقدَّس هو السُّلطة النِّهائيَّة الأسمى لحياة المؤمن.

الدرس الثالث

هو عدَم جعل المشاعر الجيَّاشة للحظة تتحكَّم بأقوالنا أو بأفعالنا. فلا تُعطي وعد عندما تكون في قمَّة سعادتك، لأنَّ الفرحة ستَعمي عينيك عن النَّظر للأمر بواقعيَّة، ولا تُقدِم على أيّ فعل عندما تكون غاضباً، وبالتَّأكيد فكِّر جيِّداً بالنَّذر قبل أن تُعلِنهُ لأنَّهُ خيرٌ لك لو لم تَنذر من أن تَنذر ولا تَفي.


نَذر يَفتاح كان باطِلاً


الخُلاصة

هي أنَّ نَذر يَفتاح كان باطِلاً، وكان بإمكانه أن يَعدِل عنه ويتوب قبلَ أن يُقدِّم ابنتهُ ذَبيحة، لكن عدَم وجود شريعة الرَّب كأساس للمُمارسة وسط الشَّعب، وعدَم وجود المَلِك المُثَبِّت لهذه الشَّريعة أوصَل الحال إلى ما آلَت إليه. مع أنَّ وجود مَلِك أرضي على إسرائيل لم يُحسِّن الحال كثيراً (أمثال داود وسليمان)، لذلك يُخبرنا الأنبياء عن ما تضمَّنتهُ برَكات العهد الجديد الذي سيَصنعه الله مع شعبه، من مَلِك سيأتي ويُتمِّم شريعة الله، يكون سبب برَكة للأُمَم ويُرسي تعاليمه عبر تلمذته للنُّفوس ليحملوا المشعَل بدروهم وينشروا بشارة الإنجيل التي تُعلِن عن المسيح المَلِك المُنتصِر، الذي صنع لنا خلاصاً وأعطانا تعاليمه التي هي نورٌ لا تُدرِكهُ الظُّلمة، وهِداية لا يَدنوها الضَّلال.

الكاتب: الأخ فرح

Minister & Theologian


مقالات مُشابِهة

إيلون الزبولوني
جدعون
عثنيئيل بن قناز


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.