طَلَبَ يسوع من تلاميذه أن يَبتاعوا سُيوفاً، في حين أنَّ النِّزاع المُسَلَّح ليسَ جزءاً من تَعاليم يسوع أبداً، فكيفَ نَفهَم إذًا قَول يسوع هذا في ضَوء تعاليمهِ؟ هذا ما سنُجيب عنه في المقال التَّالي.

في الإرسالِيَّة الأولى للتَّلاميذ طَلَبَ يسوع منهُم ألَّا يأخُذوا معهُم شَيئاً بل أن يَعيشوا من ضِيافَة النَّاس لهُم في الأماكِن التي سيَكرِزونَ بها:

“وَأَرْسَلَهُمْ لِيُبَشِّرُوا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَيَشْفُوا. وَقَالَ لَهُمْ: «لاَ تَحْمِلُوا لِلطَّرِيقِ شَيْئاً: لاَ عَصاً، وَلاَ زَاداً، وَلاَ خُبْزاً، وَلاَ مَالاً، وَلاَ يَحْمِلِ الْوَاحِدُ ثَوْبَيْنِ. وَأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمْ فَهُنَاكَ أَقِيمُوا وَمِنْ هُنَاكَ ارْحَلُوا.” (إنجيل لوقا 2:9-4)

لكن في إرسالِيَّة لاحِقة قبلَ ساعاتٍ قَليلة من الصَّلب، طَلَبَ يسوع من تلاميذهِ وهو يَعلَم بما ينتَظِرهُم من رَفضٍ واضطِهاد، أن يتَجَهَّزوا بكُل ما يَستَطيعونَ الحُصول عليه، بَل حتَّى إنَّهُ قالَ لهُم أنَّ من ليسَ لهُ سَيف فليَذهَب ويَشتَرِ:

“فَقَالَ لَهُمْ: أَمَّا الآنَ، فَمَنْ عِنْدَهُ صُرَّةُ مَالٍ، فَلْيَأْخُذْهَا؛ وَكَذلِكَ مَنْ عِنْدَهُ حَقِيبَةُ زَادٍ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ، فَلْيَبِعْ رِدَاءَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفاً. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي كُتِبَ عُدَّ مَعَ الْمُجْرِمِينَ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ فِيَّ، لأَنَّ كُلَّ نُبُوءَةٍ تَخْتَصُّ بِي لَهَا إِتْمَامٌ! فَقَالُوا: يَارَبُّ هَا هُنَا سَيْفَانِ. فَقَالَ لَهُمْ: كَفَى!” (إنجيل لوقا 36:22-38)

يُعَلِّق دايفِد غوزِك على ذلك بالقَول: “هذهِ الأشياء لم تكُن مَطلوبة من قَبل، ولكنَّها مَطلوبة الآن. خَرَجَ التَّلاميذ للخِدمة لوَحدهِم دونَ يسوع من قَبل (لوقا 1:10-17) وتَمَّ استِقبالهُم حينها بنِيَّة جَيِّدة وحُسن الضِّيافة. أمَّا الآن فسوفَ يُواجِهونَ عالَم عِدائي دونَ يسوع وعليهِم أن يكونوا مُستَعِدّينَ لذلك”.¹

من الواضِح في الآية أعلاه أنَّ وُجود سَيفانِ فقَط مع 12 رَجُل لا يَعني أنَّ يسوع كانَ يُعَلِّم تلاميذه على القِيام بثَورة مُسَلَّحة أو أنَّهُ يُحَضِّرهُم لتَمَرُّدٍ ما. لأنَّهُ لو كانَ الأمر كذلك لكانَ يجب على الأقَلّ أن يكون مع كُل واحِد منهُم سَيفاً، ناهيكُم عن أنَّ عَدَدهُم أيضاً لا يُشَكِّل أيّ خَطَر عَسكَري على تِلكَ المِنطَقة. كما أنَّ هذا يُعارِض كُل تَعاليم يسوع عن مُجازاة الشَّر بالخَير. أمَّا طَلَب يسوع من تلاميذهِ أن يَشتروا سُيوفاً فلَهُ دَلالة روحِيَّة.

يجب أن نوضِح أوَّلاً أنَّهُ ليسَ بالضَّرورة أن يكون وُجود السُّيوف مع التَّلاميذ هو بِغايَة القِتال، لأنَّ الأدَوات الحادَّة كانَت شائِعَة الاِستِخدام في تِلكَ الأيَّام لأغراضٍ مُختَلِفة، فلَو أرادَ يسوع أن يَصنَع جَيشاً لكانَ بإمكانهِ ذلك، لكن لم تَكُن هذه غايَته. وطالَما أنَّهُ قالَ للرُّسُل أن يَتزَوَّدوا بكُل ما يَحتاجونَهُ للطَّريق فَلا شَكَّ بأنَّ السَّيف كأداةٍ حادَّة كانَ سيَكون مُفيداً لهُم في مَسيرَتهِم خاصَّةً في البَراري. وقد كانَ مع الرُّسُل سَيفَين حتَّى قبلَ أن يَطلُب يسوع منهُم ذلك، وهذا يُظهِر أنَّهُم كانوا يَستَخدِمونَهُ قَبلاً، مع العِلم أنَّ تَعاليم يسوع كانَت تَدعو للسِّلم.

وحينَ قالَ لهُ التَّلاميذ بأنَّ مَعهُم سَيفَين، قالَ لهُم يسوع: “كَفى” لأنَّهُم أساؤوا فَهمهُ، وبذلك أرادَ أن يُنهي المُحادَثة، لكن لماذا؟ لأنَّ يسوع كانَ يُريد أن يُتَمِّم نُبوءة عنه.

تتميم النبوءة

بحَسب نَفس الإنجيل الذي ذُكِرَت فيه هذه الحادِثة، وَبَّخَ يسوع استِخدام تَلاميذه للسَّيف حينَ أتى حُرَّاس الهَيكَل اليَهود للقَبض عليهِ، إذاً فالهدف لم يكُن أبداً نِزاع مُسَلَّح (إنجيل لوقا 49:22-51). يجب أن يُفهَم قَول يسوع في ضَوء النُّبوءة التي يَربطها بدَعوتهِ للتَّلاميذ لشِراء السُّيوف. فهو قالَ لهُم أنَّ النُّبوءة المَذكورة عنهُ في (إشَعياء 53) سوفَ تَتِمّ بهذه الطَّريقة، وهذه النُّبوءة كانَت تقول أنَّ يسوع سوفَ يُعتَبَر من المُجرِمين مع أنَّهُ البارّ، وهذا كُلّهُ لأجل تَتميم كُل النُّبوءات المُختَصَّة بآلامهِ لخَلاصِنا.

” لِذَلِكَ أَهَبُهُ نَصِيباً بَيْنَ الْعُظَمَاءِ، فَيَقْسِمُ غَنِيمَةً مَعَ الأَعِزَّاءِ، لأَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ، وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. وَهُوَ حَمَلَ خَطِيئَةَ كَثِيرِينَ، وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.” (سِفر إشَعياء 12:53)

وَرَدَ في كِتاب “الأقوال الصَّعبة للكِتاب المُقدَّس” ما يلي: “كانَ من المُفتَرَض أن يُحكَم عليهِ كَمُجرِم مُدان… لكي يَتمَكَّن من أن يستَخدِم المُواصَفات التي تُطلَق على خادِم الرَّب في نَصّ إشَعياء 53. والذينَ كانوا يُعتَبَرونَ أتباعهُ سوفَ يُعامَلون كالخارِجين عن القانون، ولم يَعُد بإمكانهِم الاِعتِماد على ضِيافَة أبناء بِلادهِم…”²

وَرَدَت هذه النُّبوءة في نَصٍّ تَحَدَّثَ عن آلام المسيح المَوعود وتَداعِيات هذه الآلام، وهي أنَّهُ سيَكون مَوجوداً مع من يُعتَبَرونَ أثَمة ومُجرِمين، وذلك لنرى مَدى المُعاناة التي سيُعانيها الإله البار من أجلِنا نحنُ الخُطاة الأثَمة. ولكي يُحصى مع أثَمة كانَ على التلاميذ أن يُعتَبَروا من السُّلطة بأنَّهُم مُتَمَرِّدين مع العِلم أنَّهُم لَيسوا كذلك، هذا جزء من الظُّلم الذي حَلَّ على المسيح وأتباعه الذينَ سيُبغَضون من جَميع الأُمَم لأجل اسمهِ. لم يَفهَم التَّلاميذ كَيفِيَّة تَتميم هذه النُّبوءة في البِداية، لذلك صَرَّحَ يسوع بالقَول “يَكفي” لأنَّه أرادَ إنهاء الحَديث.

عَدَم فَهم التَّلاميذ حينها كانَ وَقتِيّاً إلى أن فَسَّرَ لهُم يسوع كُل شَيء من الكُتُب المُقدَّسة وكيفَ أنَّها كانَت تَشهَد عنهُ (لوقا 27:24)، ذِكر إنجيل لوقا أيضاً لهذه الحادِثة يُظهِر لنا كيفَ أنَّ نَفس الإنجيل يُفَسِّر طَلَب يسوع شِراء سُيوف، ليسَ فقَط عبرَ رَبط قَول يسوع بالنُّبوءة بل عبرَ نَهيِهِ لاستِخدامهم السَّيف أولاً ثم تَفسيره لهذا القَول لهُم لاحِقاً، لذلك من غَير المُمكِن لنا اليَوم أن نُسيء تَفسير قَول الرَّب يسوع، وأن نُحاوِل اجتزاء هذه الآية من سِياقِها لجَعلِها تقول ما لا تَعنيهِ من الأساس.

  1. Arabic Enduring Word | تفسير الكتاب المقدس | موقع شرح الإنجيل | تفسير العهد القديم والعهد الجديد | Luke 22 (AR)
  2. Hard Sayings of the Bible (The Hard Sayings Series): Kaiser Jr., Walter C., Davids, Peter H., Bruce, F. F., Brauch, Manfred.


مقالات مُشابِهة

ماذا يعني أن يسوع هو رئيس كهنتنا؟
من هو يسوع؟
الأساسيات في المسيحية


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.