Man raising his hands to the Lord in worship

ما هو الإيمان المسيحي، وكيف نُصبح مسيحيِّين، وماذا يترتَّب علينا كي نكون تلاميذ حقيقيين للمسيح؟ هذه الأسئلة وغيرها أيضاً سنجيب عنها في المقال التَّالي.

الإيمان بالمسيح لا يجب ألَّا يكون مُجرَّد إيمان بالاِسم أو بالهويَّة، بل يجب أن يكون إيماناً حيّاً أي ظاهِر من خلال السُّلوك المبني على التَّعاليم المسيحيَّة القَويمة. لذلك يجب على كل من يريد أن يُصبح مسيحيّاً، أن يعرف أوَّلاً أساسيَّات هذا الإيمان ويُدرِك ما سوفَ يترتَّب عليه كمؤمِن قبل وبعد أن يُصبح مسيحيّاً.

بما أنَّ الكتاب المقدَّس هو الكتاب الذي يؤمن به المسيحيُّون، فإنَّ إيمانك بالمسيح يجب أن يعتمد بشكل أساسي على ما يُعلِّمه هذا الكتاب. لكن قبل أن تؤمن بالمسيح، عليك أن تسأل نفسك: لماذا يجب أن أؤمن بالمسيح؟ وهل هذا الإيمان ضروريٌّ لحياتي؟

faith in arabic

ما هي رسالة المسيحية؟

رسالة المسيحيَّة الموحى لنا بها في الكتاب المقدَّس هي رسالة مُميَّزة جدّاً، لأنَّها تُعرِّفنا مُشكلة البشريَّة منذ بداية سُقوط آدم وحوَّاء إلى حين مجيء المُخلِّص الذي فكَّ عُقدة هذا السُّقوط، وأعادَ الإنسان إلى العلاقة السَّليمة مع الله. وتُرينا أيضاً وُعود الله في العهد القديم وتتميم هذه الوُعود في العهد الجديد. إذاً هي رسالة مُنسجِمة ومُتجانِسة فيما بينها منذ البداية حتَّى النِّهاية. حيث يُخبرنا أوَّل سِفر من الكتاب المقدَّس عن خُروج الإنسان من الجنَّة، ويُخبرنا آخِر سِفر عن عودة الإنسان إليها، وما بين السِّفرَين نقرأ عن تعامُلات الله مع البشر بشكل تدريجي وُصولاً للحدَث الأهَمّ الذي حصل في التَّاريخ البشري، والذي هو (قصَّة فِداء البشريَّة) من خلال صَلب المسيح وموتهِ وقيامته لتخليص البشر من دينونة الخطيئة والذُّنوب.

ما الذي تحتاجه البشرية للخلاص من دينونة الخطيئة والذنوب؟

بدايةً عليك أن تعرف بأنَّك إنسان خاطِئ (مُذنِب) منذُ أن وُلدتَ في هذه الدُّنيا، حالك كحال جميع البشر لأنَّنا ورثنا هذه الطَّبيعة السَّاقِطة من آدم وحوَّاء كَوننا جميعنا أتينا من نَسلِهم. وبسبب هذه الطَّبيعة السَّاقِطة فأنتَ حُكماً مُنفصِل روحيّاً عن الله مهما حاولتَ التَّقرُّب منه أو التَّعبُّد إليه، وذلك لأنَّ الله قدُّوس كما أعلنَ هو عن نفسه، وقداستهُ تجعله مُنزَّهاً عن الخطيئة وتمنعهُ من الشَّرِكة مع الإنسان الخاطئ الذي ابتعدَ عن الله بكامل إرادته (آدم وحوَّاء).

“فَالَّذِينَ هُمْ تَحْتَ سُلْطَةِ الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ.” (رسالة بولُس إلى أهل روما 8:8)

إذاً الإنسان بحاجة إلى وَسيطٍ يُصالحهُ مع الله، ويُعيده للعلاقة الرُّوحيَّة الصَّحيحة معه كما كانت الحالة الأصليَّة قبل السُّقوط.

sin in arabic

لكن إذا كان الله القدوس لا يقبل الخطيئة، فكيف يمكن أن يتصالح الله العادل مع الإنسان الخاطئ؟

طرحَ النَّبي أيُّوب هذا السُّؤال:

“فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ، وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟ فَإِنْ كَانَ الْقَمَرُ لاَ يُضِيءُ، وَالْكَوَاكِبُ غَيْرَ نَقِيَّةٍ فِي عَيْنَيْهِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الإِنْسَانُ الرِّمَّةُ وَابْنُ آدَمَ الدُّودُ؟” (سِفر أيُّوب 4:25-6)

هذا التَّساؤل الذي طرحهُ أيُّوب لا يزال يتردَّد صَداه أمام واقع حال البشر الخُطاة، فإذا كان الله قدُّوس وبارّ، كيف يمكن للإنسان الخاطئ أن يتبرَّر أمام عدالة الله ويتصالح معه؟ وأمام هذه المُعضلة تمنَّى أيُّوب لو أنَّه يجد وَسيطاً يُعادلهُ كإنسان ويُعادل الله كإله كي يستطيع أن يحلّ له مُشكلته ويكون حَكَماً بينه وبين الله.

“لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَاناً مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، وَنَمْثُلَ مَعاً لِلْمُحَاكَمَةِ. وَلَيْسَ مِنْ حَكَمٍ بَيْنَنَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا.” (سِفر أيُّوب 32:9-33)

هذا في الحقيقة ما فعلهُ الله لإنقاذ البشريَّة من دينونة الخطيئة، وهذا ما وعدَ به منذُ سُقوط آدم وحوَّاء حين قال بأنَّه سيُرسل المُخلِّص الذي يُخلِّص النَّاس من خطاياهم، لكن هذا المُخلِّص لن يكون إنساناً عاديّاً فقط بل سيكون أيضاً إلهاً كاملاً مُتجسِّداً في هيئة بشر كي يستطيع أن يصنع الوَساطة بين الله والنَّاس.

“لأَنَّهُ يُوْلَدُ لَنَا وَلَدٌ وَيُعْطَى لَنَا ابْنٌ يَحْمِلُ الرِّيَاسَةَ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ السَّلاَمِ.” (سِفر إشَعياء 6:9)

هذا الوَسيط هو يسوع المسيح (كلمة الله) الذي تجسَّدَ من أجل فدائنا، تمَّمَ النُّبوءات، وُلِدَ من عذراء، وعاشَ حياةً كاملةً دونَ أن يصنع خطيئة، ثمَّ صُلِبَ وماتَ وقام كي يُصالحنا مع الله ويُعيدنا للعلاقة الرُّوحية السَّليمة معه ويمنحنا الحياة الأبديَّة (حياة الخُلود) في السَّماء إن آمنَّا به وصدَّقنا ما فعلهُ من أجلنا.

“ذَلِكَ أَنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ مَعَ نَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ عَلَيْهِمْ خَطَايَاهُمْ، وَقَدْ وَضَعَ بَيْنَ أَيْدِينَا رِسَالَةَ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ.” (رسالة بولُس الثَّانية إلى أهل كورِنثوس 19:5)

نحن نقبل المسيح بالإيمان

تُعرِّف لنا كلمة الله الإيمان في الرِّسالة إلى العبرانيِّين على أنَّه:

“أَمَّا الإِيمَانُ، فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا نَرْجُوهُ، وَالاقْتِنَاعُ بِأَنَّ مَا لاَ نَرَاهُ مَوْجُودٌ حَقّاً.” (الرِّسالة إلى العبرانيِّين 1:11)

إذاً إيماننا بالمسيح: قائم على الثِّقة بأنَّه كلمة الله المُتجسِّد، واليَقين بما فعلهُ على عود الصَّليب من أجلنا، والتَّصديق لكل كلمة قالها وكُتبَت لنا في الكتاب المقدَّس، كي نحصل على خلاصهِ وننال الحياة الأبديَّة التي وَعدَنا بها.

وهذا الإيمان يُلغي فرَضيَّة الخلاص بالأعمال لأنَّ الإنسان غير قادر أن يُخلِّص نفسهُ بأعمالهِ الصَّالحة، حيث يقول بولُس الرَّسول:

“فَإِنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْكُمْ. إِنَّهُ هِبَةٌ مِنَ اللهِ، لاَ عَلَى أَسَاسِ الأَعْمَالِ، حَتَّى لاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.” (رسالة بولُس إلى أهل أفَسُس 8:2-9)

salvation in arabic

أريد أن أكون مسيحي/ مسيحية

نحن نقبَل المسيح بدعوة شخصيَّة منَّا أي بكامل إرادتنا. والآن إن كُنتَ تُريد أن تُصبح مسيحيّاً، فهذا يعني أنَّك آمنتَ بأنَّ يسوع المسيح تجسَّد من أجل فدائكَ وحملَ خطاياكَ وماتَ من أجل خلاصكَ ثمَّ قامَ من القبر في اليوم الثَّالث كي يُقيمك معهُ من موتِك الرُّوحي ويُعيدك إلى العلاقة الصَّحيحة مع الله ويُعطيك الرَّجاء المؤكَّد بغُفران ذُنوبك وقِيامتكَ من الأموات في اليوم الأخير كي تحيا معهُ في السَّماء كل حين وإلى الأبد.


نحن نقبَل المسيح بدعوة شخصيَّة منَّا


وبناءً على هذا الإيمان عليكَ أن تأتي إلى الله بقلب تائب وتطلُب منه غُفران خطاياك عبر صلاة تُوجِّهها له بكل صِدق وتُعبِّر فيها بكلماتك الخاصَّة عن كل ما يدور في داخلك وعن حاجتك الماسَّة لخَلاصه.

وهذا نموذج عن صلاة التَّوبة التي فيها نَقبَل الرَّب يسوع المسيح ربّاً ومُخلِّصاً لحياتنا:

“أبانا السَّماوي، أنا أؤمن بأنَّك أرسلتَ المسيح يسوع لكي يموت بدَلاً عنّي على عود الصَّليب، أشكُركَ على محبَّتكَ العظيمة لي، أُعلِن تَوبتي أمامك الآن وأسألكَ أن تغفر لي خطاياي وأن تسكُن في قلبي من هذه اللَّحظة وتُحييني من جديد كي أعيشَ في رِضاك وأُمَجِّد اسمكَ القدُّوس كل حين، بِاسم الرَّب يسوع المسيح أطلُب منك كل ذلك، آمين.”

إن صلَّيتَ هذه الصَّلاة من كل قلبك، فيجب عليك أن تستعدّ الآن للمرحلة القادمة، مرحلة ما بعد الوِلادة الجديدة والتي نُسمِّيها “التَّلمَذة المسيحيَّة”، وفيها نتعلَّم أكثر عن المسيح وتعاليمه كي نسلُك بحسب ما أوصانا به ونعيش الحياة في رِضاه.

“أَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِيَسُوعَ رَبّاً، وَآمَنْتَ فِي قَلْبِكَ بِأَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، نِلْتَ الْخَلاصَ.” (رسالة بولُس إلى أهل روما 9:10)

disciple in arabic

كيف أصبح تلميذاً للمسيح؟

أن تكونَ مسيحيّاً حقيقيّاً فهذا يعني أنَّ عليكَ أن تكون تلميذاً للمسيح كما قال هو بنفسه، أي أن تتبع وصاياه وتثبُت فيها:

“… إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلامِي، كُنْتُمْ حَقّاً تَلاَمِيذِي.” (إنجيل يوحنَّا 31:8)

وأن تُواظِب على قراءة كلمته وتنضَمّ إلى جماعة المؤمنين (الكنيسة) كي تنمو في إيمانك أكثر ليستخدمك الرَّب في خلاص النُّفوس ودعوة الآخرين للتَّوبة لأنَّك صِرتَ سفيراً للمسيح على هذه الأرض.

“فَنَحْنُ إِذَنْ سُفَرَاءُ الْمَسِيحِ، وَكَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا نُنَادِي عَنِ الْمَسِيحِ: «تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ!«” (رسالة بولُس الثَّانية إلى أهل كورِنثوس 20:5)

وكتلميذٍ للمسيح فإنَّ مسؤوليَّتكَ أن تُتلمِذ الآخَرين كي يُصبحوا هُم أيضاً تلاميذ للمسيح، وذلك بناءً على ما يُسمِّيه المسيحيُّون “المأموريَّة العُظمى” التي أوصانا بها المسيح حين قال:

“فَاذْهَبُوا إِذَنْ، وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ؛ وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِكُلِّ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْتِهَاءِ الزَّمَانِ!” (إنجيل متَّى 19:28-20)

والآن إن كانت لديك أيّ أسئلة تخصّ المسيحيَّة، أو إن كُنتَ تُريد أن تصبح تلميذاً حقيقيّاً للمسيح، تواصل معنا عبر النَّقر على رمز الواتساب الموجود في أسفل الصَّفحة كي نساعدك أكثر ونُجيبك على أسئلتك.

الكاتب: الأخت مريم

Writer & Poet


مقالات مُشابِهة

من هم المسيحيون؟
شرح المسيحية
ما هو الحلال والحرام في المسيحيّة؟


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.