Crown of thorns nails and hammer on the ground

تتضمّن هذه المقالة جوانباً متعدِّدةً لموت يسوع، كاشفةً عن أدِلَّة من الكتاب المقدَّس، بالإضافة إلى مصادر أُخرى، وسجِلَّات تاريخيَّة غير مسيحيَّة، وآراء الأطبَّاء، والفائدة العميقة لصَلبهِ.

يحمل موت يسوع أهميَّة لاهوتيَّة وروحيَّة عميقة لدى المسيحيِّين، حيث يُعتبر الوسيلة الوحيدة للفداء والخلاص. ويُعتبر هذا الموت من أكثر الأحداث الموثَّقة في التَّاريخ. من الجَلِيّ أنَّ المسيح لم يمُت بالرَّجم المُتَّبعِ كطريقة لقتل الكُفَّار عند اليهود، بل مات على أيدي رومان، جنود أُمَميُّون من غير الدِّيانة اليهوديَّة. وبالتَّالي تمَّ قتله بطريقة الصَّلب الرُّومانيَّة.

ما هو الصلب؟

الصَّلب هو الإعدام على عودٍ خشبيٍّ، أو سَقالة، أو حتَّى على شجرة طبيعيَّة ممَّا يؤدِّي إلى عرض المُتَّهم علَناً أمام الشَّعب. وفي كثيرٍ من الحالات القديمة للصَّلب، كان يتمّ قتل المُتَّهم ومن ثمَّ عرضه على الخشبة بمثابة مثال للشَّعب. أمَّا في العديد من الحالات الأُخرى، أصبح الصَّلب بحَدّ ذاته أُسلوباً للإعدام نظراً إلى الأوجاع التي كان يتعرَّض لها المُتَّهم جرَّاء ساعات الألم التي يُعانيها على الصَّليب.

يُعتبر الصَّلب من أقدم أنواع القتل وأعنَفها. كان يُحكَم به على أسوأ أنواع المجرمين. أمَّا في حالة يسوع، فهو لم يفعل شيئاً يستحقّ الموت، ولكنَّه مات بسبب غيرة اليهود واعتبارهم بأنَّه جدَّف حين قال أنَّه اِبن الله. فعبارة “اِبن الله” بالنِّسبة لليهود لم تكُن مُجرَّد قَول أنَّ الله أبوه كما هو أبٌ للأُمَّة اليهوديَّة، بل هم فهِموا أنَّ يسوع يُعادِل نفسه بالله مُعلِناً أنَّه الله الظَّاهر في الجسد.

وقد كان الجَلد يسبق الصَّلب، كما في حالة يسوع الموثَّقة بالأناجيل، بحيث كان جَلد المُتَّهم يتمّ قبل تعليقه على الصَّليب ممَّا يؤدِّي إلى وضع ظهره المجروح والمُمزَّق مباشرةً على الخشبة. حتَّى أنَّ كثيرين قد ماتوا بسبب الجَلد فقط وقبل وصولهم إلى الصَّليب وذلك بسبب وحشيَّة الجَلد. ولإضافة الذُّلّ والعار، كان المُتَّهم مُجبَراً على حَمل عارِضة صليبه إلى مكان إعدامه. وكانت العادة تجري إمَّا بربط يدَيّ المُتَّهم أو بتسميرِهما بالمسامير، وكان الأمر عينه يُطبَّق على الرِّجلين. بالإضافة إلى كلّ ذلك، كان الرُّومان يكسرون أرجُل المصلوبين للتَّسريع في موتهم في أغلب الحالات.

the cross in Arabic

الأدلة الكتابية لموت يسوع

يوفِّر الكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد، أدِلَّة مُهمَّة عن كيفيَّة موت المسيح. ففي العهد القديم، تمَّ التَّنبُّؤ بصَلبه حتَّى قبل اشتِهار تلك الوسيلة القبيحة للقتل، كما جاء في المزمور 16:22 “أَحَاطَ بِي الأَدْنِيَاءُ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ طَوَّقَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ.” فقد أعلنَ الله في العهد القديم أنَّ يدَيّ المسيح ورِجلَيه ستُثقَب، إشارةً إلى دَقِّ المسامير فيها عند الصَّلب. أمَّا العهد الجديد، فهو مليء بالأدِلَّة عن موت المسيح المُروِّع والمُشين. فكلّ إنجيل من الأناجيل الأربعة يوضِّح أنَّ المسيح قد صُلِب، ويحكي كلّ بَشير عن هذا الموت من زاوية مختلفة وبتفاصيل متنوِّعة.

إنجيل متَّى 27 و28:
يصِف إنجيل متَّى أحداث الصَّلب بشكل مُفصَّل ويُركِّز على تنفيذ نُبوءات العهد القديم في شخص يسوع. يروي عن كيفيَّة اعتقال يسوع من بُستان جَثسَيماني، ومُحاكمته أمام رئيس الكهَنة قَيافا والحاكم الرُّوماني بيلاطُس، والاستهزاء به من خلال إلباسهِ رِداءً قرمزيّاً وتنفيذ حُكم الصَّلب عليه. ويسرد الأحداث التي تلَت صَلبه بالإضافة إلى قِيامته.

إنجيل مَرقُس 15 و16:
يروي إنجيل مَرقُس حياة يسوع ومُعاناته بإيجاز وبشكل مباشر. يُشير إلى مُحاكمته أمام بيلاطُس وصَلبه على الصَّليب بين لِصَّين آخرَين. ويصِف آلامه المُبرِّحة وهو مُعلَّق على الصَّليب وما جرى بعد وفاته وقيامته.

إنجيل لوقا 23 و24:
يُسلِّط إنجيل لوقا الضَّوء على جوانب مُعيَّنة من صَلب يسوع بحيث يُعبِّر عن رحمته وغُفرانه أثناء عذابه. يصف مُحاكمته أمام بيلاطُس وهيرودُس، مُسامحاً الذين عذَّبوه وصَلبوه. يذكُر أيضاً كلماته الأخيرة على الصَّليب متوجِّهاً بغفران خطايا أحَد اللِّصَين ومَنحه الحياة الأبديَّة.

إنجيل يوحنَّا 18 و19:
يتضمَّن إنجيل يوحنَّا منظوراً مختلفاً عن صَلب يسوع فيُركِّز على أُلوهيَّته. ويصِف كيفيَّة محاكمته أمام بيلاطُس وصَلبه بين اثنين آخَرين. كما يسرد الأحداث التي وقعت بعد وفاته وظُهوره لتلاميذه بعد القيامة.

تجتمع الأناجيل الأربعة معاً لتقديم صورة شاملة لصَلب يسوع المسيح وقيامته، فيُسلِّط كلّ منها الضَّوء على جوانب مختلفة ويساهم في فهم تفاصيل هذا الحدَث الهامّ في التَّاريخ البشري.


أعلنَ الله في العهد القديم أنَّ يدَيّ المسيح ورِجلَيه ستُثقَب، إشارةً إلى دَقِّ المسامير فيها عند الصَّلب


الأدلة التاريخية لموت يسوع

يقدِّم العديد من المؤرِّخين المسيحيِّين وغير المسيحيِّين، أدِلَّة تاريخيَّة تُشير إلى موت يسوع المسيح على الصَّليب. على سبيل المثال، يذكُر المؤرِّخ الرُّوماني تاسيتوس (55م – 117م) موت يسوع في مراجعه، ذاكِراً أنّه “عانى من أقصى عقوبة موت” 2. بالإضافة إلى ذلك، يُشير المؤرِّخ اليهودي فلافيوس جوسيفوس (نحو 37م – 100م) أيضاً إلى يسوع والحُكم بالصَّلب عليه 3. كما أنَّ الشَّاعر لوسيان (نحو 125م – 190م) سَخِرَ من المسيح داعياً إيَّاه “الفيلسوف”، كما أنَّه ذكرَ في هِجائه أنَّ يسوع هو الشَّخص الذي “صُلِبَ في فلسطين بسبب إنشائه للمذهب الجديد” أي المسيحيَّة. وإلى جانب ذلك، يوجد تصوير قديم لصَلب المسيح من أحد الوَثنيِّين الذي قامَ برسم شخص مسيحي اسمه “أليكسامينوس” يعبُد المسيح المصلوب. فقد حفرَ الوَثنِيّ هذا الرَّسم على حائط في روما وعُثر عليه عام 1856. كما نَقَش فوق الصُّورة عِبارة يونانيَّة تُترجَم إلى: “أليكسامينوس يعبُد إلهه” وتمَّ وضع رأس حِمار بدل رأس المسيح، ساخِراً منه ومن أتباعه 4.

تاريخ موت يسوع

جرَت دِراسات كثيرة حول تاريخ صَلب يسوع خارج أورشَليم، ولكن الأدِلَّة تميل إلى تاريخ 33م للأسباب التَّالية:

1- يُخبرنا لوقا البشير أنَّ خدمة يوحنَّا المعمدان بدأت في السَّنة الخامسة عشر من سلطنة طيباريوس قيصر (لوقا 3: 1)، ونحن نعرف أن طيباريوس قيصر تولَّى الحكم بعد موت زوج أُمّه أُغسطس قيصر سنة 14م. ممَّا يجعل بداية خدمة يوحنَّا المعمدان في حوالي أواخر سنة 28م أو أوائل العام 29م. وبما أنَّ خدمة يسوع ابتدأت بعد يوحنَّا بفترة قصيرة، فتاريخ بداية تلك الخدمة يقع بين عام 28م كحدٍّ أدنى وعام 30م كحدٍّ أقصى. من المعروف أنَّ يسوع وُلِد في العام الرَّابع أو الخامس قبل الميلاد، وذلك يجعل عمره يتراوح ما بين 31 و34 في بداية خدمته، وهذا ما يتناسب مع لوقا 23:3 “وَلَمَّا ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً”. وبما أنَّه من المُتَّفَق عليه بين مُعظم عُلَماء العهد الجديد5 أنَّ خدمة يسوع امتدَّت لثلاث سنوات، فموته يكون في سنة 33م6.

2- تسلَّمَ بيلاطُس البُنطِيّ الحكم على اليهوديَّة من 26م إلى 36م. وقد تمَّ حدَث الصَّلب خلال عيد الفصح (مَرقُس 12:14). 7فهذا الأمر، بالإضافة إلى تاريخ بداية خدمة يوحنَّا المعمدان يُحدِّد تاريخ الصَّلب يوم الجمعة، في الثَّالث من نيسان عام 33م.

مكان صلب يسوع

وفقاً للأناجيل الأربعة، تمَّت وفاة يسوع على الصَّليب في مكان يُعرَف بـ “جُمجُمة” أو “جُلجُثة”، وهو تلَّة خارج أسوار مدينة أورشَليم (إنجيل متَّى 33:27، مَرقُس 22:15، لوقا 33:23، يوحنَّا 17:19). كان هذا المكان رمزاً للإعدام في ذلك الوقت.

بالإضافة إلى الأدِلَّة الكِتابيَّة، ذكرَت مصادر خارجيَّة مثل فلافيوس جوسيفوس8 وتاسيتوس9 وغيرها وقوع حادثة صَلب يسوع في هذا الموقع المُحدَّد. تُعزِّز هذه المصادر الخارجيَّة الأدِلَّة الكِتابيَّة على وفاة يسوع في “جُمجُمة”.

الأدلة الطبية لموت يسوع

تُشير الدِّراسات الطِّبيَّة إلى أنَّ الصَّلب كان عمليَّة قاسية ومؤلمة. يُعاني المصلوب من فقدان كميَّة كبيرة من الدَّم وانخفاض حجم الدَّم، ممَّا يؤدِّي إلى صدمة حادَّة. كما يُعاني أيضاً من صعوبة التَّنفُّس نتيجةً للوضع المرتفع الذي يُعلَّق به، ممَّا يسبِّب اختناقاً تدريجيّاً. يعتبِر الأطبَّاء أنَّ موت يسوع جاء بسبب اختناقه والصَّدمة الحادَّة التي أدَّت إلى توقُّف القلب. فبسبب الوضعِيَّة، كان على يسوع أن يرفع نفسه مُستخدماً عضَلات ظهره ليتمكَّن من الشَّهيق. كما أنَّه مُجبَراً أن يُرخي جسده أيضاً لأجل الزَّفير. وكِلا العمليَّتان تتطلَّبان مجهوداً بدَنيّاً كبيراً جدّاً، وما يزيد الأمر صعوبة أنَّ ظَهره كان مُمزَّقاً ويديه ورجليه مُتسمِّرة بالمسامير.

يُشار إلى دراسة نُشِرَت في مجلَّة الطِّب العام الأمريكيَّة (JAMA) بعنوان “The Physical Death of Jesus Christ” 10، والتي قام فيها الأطبَّاء والباحثون بتحليل آثار الصَّلب على الجسد. وقد اتَّفق الباحثون على أنَّ الإعدام عن طريق الصَّلب يؤدِّي إلى الاختناق والتَّنفُّس بصعوبة بسبب الوضعِيَّة الرَّأسيَّة التي يُعلَّق فيها الجسم على الصَّليب، ممَّا يؤدِّي إلى حُدوث صدمة وتوقُّف القلب. وقد أوضَحوا أنَّ هذا الألم الشَّديد الذي يُصاحب الصَّلب يمكن أن يتسبَّب في وفاة الشَّخص بشكلٍ سريع.

كما أنَّ بعض عُلَماء الطِّب أضافوا أنَّ العطَش وجفاف الجسم هما من الأسباب الإضافيَّة لموت يسوع 11.


فبسبب الوضعِيَّة، كان على يسوع أن يرفع نفسه مُستخدماً عضَلات ظهره ليتمكَّن من الشَّهيق


الخاتمة

بعد دِراسة عمليَّة صَلب يسوع، ومكان وزمان موته، وأسباب موته، من المُحتَّم علينا معرفة سبب ذهابه إلى الصَّليب. فيسوع، بعَكس ظَنّ البعض، ذهبَ إلى الصَّليب طَوعاً، مُتَّجِهاً نحو الخشبة لهدف واحد: الفداء. فيسوع عاش حياةً مثاليَّة من ناحية النَّاموس وأكملَ الشَّريعة بدَلاً عن الخُطاة، وعلى الصَّليب تمَّ التَّبادُل والذي هو أنَّ كلّ من يؤمن بيسوع تُغفَر خطاياه بحسب ما فعله يسوع على الصَّليب، وفي الوقت نفسه يُعطى كلّ بِرّ وكَمال يسوع لكي يدخل السَّماء بفضلهما. تُبْ اليوم وآمن بالفداء المجَّاني للحصول على كلّ ما فعله يسوع.

الكاتب: الأخ كمال

Minister & Theologian

  1. The Concise Evangelical Dictionary of Theology, ed. Walter Elwell & Peter Toon.
  2. Annals 15.44. Tacitus.
  3. Antiquities of the Jews. Flavius Josephus.
  4. Lucian, The Passings of Peregrinus.
  5. The Alexamenos Graffito. The University of Chicago.
  6. ESV Study Bible, Crossway, pp. 1809-1810.
  7. In what year did Jesus die? GotQuestions.com.
  8. Antiquities of the Jews. Flavius Josephus.
  9. Annals 15.44. Tacitus.
  10. The Physical Death of Jesus Christ: Journal of the American Medical Association. Hengen, Richard L., William D. Edwards, and Wesley J. Gabel. JAMA: The Journal of the American Medical Association, vol. 255, no. 11, 1986, pp. 1455-1463.
  11. A Doctor at Calvary: The Passion of Our Lord Jesus Christ as Described by a Surgeon. Dr. Pierre Barbet.


مقالات مُشابِهة

من هو يسوع؟
صُلِب ومات
الأساسيات في المسيحية


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.