Animation of a king on a throne

يُحكى عن مَلِك مَشهور بِعَدلهِ ومَعروف بِمَحَبَّتهِ التي لا تُضاهى لِعائِلَتهِ بِشَكل خاص ولِشَعبهِ بِشَكل عام. هذا المَلِك العادِل لم يَكُن يُحابي بالوُجوه أبَداً ولم يُعَوِّج القَضاء يَوماً، لذلك كانَ مَحبوباً جِدّاً من الشَّعب نَظَراً لهذهِ الصِّفات التي يَتَمَيَّز بِها.

وفي يَومٍ من الأيَّام انتَشَرَ خَبرٌ بينَ النَّاس بأنَّ هُناكَ جاسوسٌ من المَملَكة يَعمَل مع العَدُوّ اللَّدود للمَلِك، ويَنقُل أسرار عَسكَرِيَّة وأُمور سِرِّيَّة لا يَجِب أن تُنقَل. عَلِمَ المَلِك بهذا الخَبَر واستاءَ من ذلك جِدّاً، فأصدَرَ مَرسوماً يَقضي بأن يَلقى الشَّخص الخائِن عِقابَهُ العادِل جَزاءً لَهُ على خِيانَتهِ، وهذا العِقاب هو المَوت بالإعدام حَرقاً لأنَّهُ يَعمَل مع الأعداء ويُساعِدهُم لِكَي يَتَمَكَّنوا من اختِراق دِفاعات المَملَكة واحتِلال المَدينة وقَتل شَعبها، وقَد وافَقَ على هذا المَرسوم جَميع مُستَشاري المَلِك.

لكن المُفاجَأة الكُبرى كانَت حينَما أتى المُحَقِّق الذي يَهتَمّ بِكَشف هوِيَّة الخائِن وأطلَعَ المَلِك على أَدِلَّة دامِغة تُدين بِشِدَّة أحَد أفراد عائِلَة المَلِك، وهذهِ الأَدِلَّة هي رَسائِل سِرِّيَّة بَينَ الأمير اِبن المَلِك العَدُوّ وبَينَ فَتاة أحَبَّتهُ حُبّاً جَمّاً دونَ عِلمِ أهلِها لِدَرَجَة أنَّها أفشَت لَهُ جَميع أسرار المَملَكة، وهذهِ الفَتاة الخائِنة للأسَف هي الاِبنَة الوَحيدة للمَلِك.

كانَ وَقع الخَبَر على المَلِك كالصَّاعِقة، فانصَدَمَ ولم يَستَطِع أن يَتَكَلَّم بِشَيء لِأيَّامٍ عَديدة، كانَت حالَتهُ تُشبِه حالَة الشَّخص الذي دَخَلَ في غَيبوبة غَير مُدرِك لِما يَدور حَولهُ. لكن بعدَ عِدَّة أيَّام استَفاقَ المَلِك من صَدمَتهِ وأدرَكَ الواقِع من حَولهِ، فالشَّعب في حالَة تَرَقُّب لِما سَيَحصُل، ومَهما كانَ القَرار الذي سَيَتَّخِذُهُ المَلِك بِحَقّ ابنَتهِ فَسَوفَ يَلقى انتِقاداً من الجَميع. لأنَّهُ إن أنقَذَ ابنَتهُ من العِقاب وسامَحها وعَفا عَنها فَسَوفَ يُنقِص هذا الفِعل من عَدالَتهِ لا بَل سَيَتَّهِمهُ شَعبهُ بالمُحاباة التي كانَ المَلِك يَسعى جاهِداً طوالَ عُمرهِ لِئَلَّا يُتَّهَم بِها. لكن من ناحِية أُخرى إن عاقَبَ ابنَتهُ فَسَيَقول النَّاس عَنهُ أنَّهُ عَديم الرَّحمة والإنسانِيَّة، وأنَّه إن كانَ بهذهِ القَسوة مع فلذَة كَبِدهِ فكيفَ سَيَكون تَعامُلهُ مع شَعبهِ.

وافَقَ المَلِك على حُكم الإعدام لِابنَتهِ، فَقُيِّدَت الفَتاة على خَشَبة ووُضِعَ القشّ من تَحتِ قَدَمَيها وُصولاً لِرُكبَتَيها ثُمَّ أُضيفَت مَواد قابِلة للاِشتِعال على القشّ في انتِظار أن يَضَع مُنَفِّذ الاِعدام لَهَب النِّيران على تِلكَ المَواد لِكَي تَموت الفَتاة حَرقاً، لأنَّ هذهِ هي طَريقَة الإعدام التي كانَت مُتَّبَعة للخائِنين في تِلكَ المَملَكة. وأمامَ مَهابَة هذا المَنظَر والتَّوَقُّع المَهيب لِما سَيَجري، كانَ صُراخ الفَتاة يَملَأ المَكان، وتَوَسُّلاتها تُدمي قَلب والِدها وهي تَبكي بِحَرقة طالِبَةً مِنهُ أن يُسامِحها ويَعفو عَنها، فلَم يَتَمالَك المَلِك نَفسهُ أمام هذا المَشهَد وابتَدَأ شَريط حَياتهُ مَعَها يَمُرّ أمامَ عَينَيه، فَتَذَكَّرَ طُفولَتها البَريئة والأيَّام الجَميلة التي قَضاها وإيَّاها والعَواطِف الكَبيرة والأحلام الكَثيرة التي كانَت تُخبِرهُ بِها، فانهارَ المَلِك باكِياً أمامَ وَحيدَتهُ التي تُواجِه المَوت وتُنادي سامِحني يا أبي، وصَرَخَ بِأعلى صَوتهِ “تَوَقَّفوا” أنزِلوها من على الخَشَبة، فابتَدَأَ الشَّعب يَتَهامَس على المَلِك مُشَكِّكاً بِصِدق عَدلِهِ، لكن كُل الهَمَسات تَوَقَّفَت حينَ قالَ المَلِك: اِعدِموني أنا مَكانَها!

فَتَفاجَأَ الجَميع ولم يَستَطِع أحَد أن يَتَفَوَّه بِكَلِمة أو يَنتَقِد المَلِك على ما فَعَلَهُ، لأنَّ الحُكم العادِل سَيُنَفَّذ والرَّحمة الكامِلة قَد نُفِّذَت، فهو ما زالَ الأَب المُحِبّ الذي سامَحَ ابنَتهُ وضَحَّى بِنَفسهِ لِيُتَمِّم عَدالَتهُ. وبهذهِ الطَّريقة يَعفو المَلِك عن مَن يُحِبّ دونَ أن يُنقِص ذلكَ من عَدالَتهِ شَيئاً.

هذا تَماماً ما قامَ بهِ الرَّب يسوع من أجلِنا، فنحنُ الذينَ بِسَبَب مَعاصينا انفَصَلنا عن الله واستَحَقَّينا العِقاب العادِل، أتانا مَلِك المُلوك من سَمائِهِ نازِعاً عن نَفسهِ الثَّوب المُلوكِيّ حينَ صارَ إنساناً مِثلُنا، فَقَدَّمَ حَياتَهُ بَدَلاً عَنَّا على الصَّليب لِئَلَّا يُبقينا في العَذاب الأبَدي، مُتَمِّماً بذلك عَدلَهُ الكامِل على الخَطِيَّة ومانِحاً لنا بِفَضلِ مَحَبَّتهِ ورَحمَتهِ الحَياة الأبَدِيَّة.


مقالات مُشابِهة

أمثال يسوع المسيح
التأمل لحظات من الملكوت
الأساسيات في المسيحية


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.