Man in paradise camels beauty

في جَنَّة عَدَن، رِياض الأزهار بَينَ البَراعِم والوُرود، وسط الأشجار الخَضراء الشَّامِخة البَهِيَّة، عِندَ ضِفاف الأنهار الدَّائِمَة الجَرَيان بِالمِياه العَذبَة المُنعِشة، سَكَنَ آدَم وامرَأتَهُ حَوَّاء. لَيسَت الطَّبيعة فَقَط ما مَيَّزَت عَدَن بَل أيضاً المَكانة التي تَحَلَّت بِها، إذ أنَّها كانَت مَكان التِقاء الله بِالبَشَر. لم يَستَمتِع الثُّنائي الأوَّل بِجَمال الخَليقة فيها فقَط، بَل أيضاً بِوُجود الخالِق في وَسطِها وشَرِكَتَهُما الرُّوحِيَّة مَعَهُ. الجَنَّة كَما نَصِفها اليَوم هي مَكان حُضور الرَّب، المَحضَر الذي بِهِ نَسمو ونَمتَلِئ روحِيّاً. هذا كُلّهٌ تَمَتَّعَ بِهِ آدَم أبو البَشَرِيَّة وزَوجته، حَيثُ يَصِف لنا الإصحاح الأوَّل مِن سِفر التَّكوين الحَياة وكأنَّها بِلا هَمّ ولا غَمّ ولا أيّ شَيء يَشغَل البال أو يُرهِق الفِكر ويوجِع القَلب، إنَّها بِكُل بَساطة، جَنَّة عَدَن.

جُلّ ما طَلَبَهُ الله هو الوَلاء عِندَما قال:

“وَلَكِنْ إِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لأَنَّكَ حِينَ تَأْكُلُ مِنْهَا حَتْماً تَمُوت”
سِفر التَّكوين 17:2

كما هَيّأَ الله لِآدَم كُل الظُّروف التي تُشَجِّعهُ على الطَّاعة، لكِنَّ شَجَرَة مَعرِفَة الخَير والشَّر التي حَرَّمَ الله الأكل مِنها، وَقَفَت حاجِزاً بَينَ تَوق البَشَر لِرَغبَة ما هو مَمنوع وبَينَ ضَرورَة طاعَة الخالِق الذي لَهُ كُل الحَق بِفَرض مَشيئَتِهِ على ما صَنَعَت يَداه. هُناكَ خَسِرَت البَشَرِيَّة هذهِ المَكانة بِخَسارَة مُمَثِّلها آدَم بِالإمتِحان. أمام لَحظَة ضَعف تَتَمَلَّك فيها الشَّهوة مِن أحاسيس الإنسان، لِيُصبِحَ مُستَعِدّاً أن يُقايِض الجَنَّة بِثَمَرَة مُحَرَّمة. وكَم مِنَ المَرَّات قايَضَ بَعض البَشَر عِشرَةَ سِنينٍ طَويلة وثَمينة بِلَحظَة ضَعف وشَهوة رَديئة، كَم مَرَّةً استَخَفَّ أبناء آدَم بِوَصايا الله مِن أجل ما هو وَقتِيٌّ وزائِل. مِن تِلكَ الأيَّام حتَّى يَومِنا هذا والبَشَر في حالَة عِصيان دائِم وتَمَرُّد على الخالِق.

لكِن في إنجيل متَّى الإصحاح الرَّابِع والآيات من 1 إلى 10 نَقرَأ عن حادِثة تَصَرَّفَ فيها الشَّخص المُمتَحَن بِعَكس ما هو مُتَوَقَّع مِنَ البَشَر عادَةً، على الرُّغم مِن أنَّهُ كانَ مَحروماً مِن كُل ما كانَ لِآدَم في الجَنَّة، فَجَنَّة عَدَن لَم تَكُن مُتاحة لَهُ أصلاً. وذلك كان في صَحراء اليَهودِيَّة، بَينَ الرِّمال والصُّخور، وسطَ لَهيب الشَّمس الحارِقة، والهِضاب الرَّملِيَّة الكَئيبة، حَيثُ يَتوق الإنسان لِقَطرة ماء وتَتوق الأرض القاحِلَة لِلخُصوبة.

لَيسَت الطَّبيعة فقَط ما يُصَعِّب المَهَمَّة على البَشَر هُناك، بَل تَتَّسِم الحَياة بَعدَ خُروج البَشَر مِن جَنَّة عَدَن بِضَعف الجَسَد والرُّوح بِسَبَب لَعنَة الإنفِصال عن الله.

أن تُراهِن على نَجاح الإنسان بِالإمتِحان في تِلكَ المِنطَقة فذلِكَ قَضِيَّة خاسِرة، فَمَن فَشِلَ في جَنَّة عَدَن كَيفَ لَهُ أن يَنجَح في الصَّحراء القاحِلة. في هذهِ الظُّروف امتُحِنَ يسوع، والأصعَب مِن ذلِك أنَّهُ كانَ صائِماً لِأربَعينَ يوماً، كانَ خائِراً مِنَ الجُوع، مُرهَقاً مِنَ التَّعَب، ولم يُمتَحَن لِمَرَّة واحِدة أو لِمَرَّتَين فقَط، بَل امتُحِنَ لِثَلاث مرَّات وفي جَميعِها انتَصَرَ. في حين سَقَطَ آدَم الأوَّل أمام الشَّهوة وإغواء إبليس، نَجَحَ آدَم الثَّاني أي يسوع المَسيح فيهِما.
صَحيحٌ أنَّ يسوع لُقِّبَ بِآدَم الثَّاني الذي جَلَبَ الخَلاص لِبَني البَشَر في حين أنَّ آدَم الأوَّل جَلَبَ المَوت واللَّعنَة على البَشَرِيَّة، لكِن نَجاح يسوع بالإمتِحان في الصَّحراء لم يَكُن لِمُجَرَّد كَونِهِ إنسان فقَط، فيسوع المسيح كانَ إنساناً وأعظَم، نَبِيّاً وأعظَم، وهو كَلِمَة الله الأزَلي الذي تَجَلّى لنا في جَسَد بَشَري لِيَصنَع ما عَجِزنا نَحنُ عَن صُنعِهِ، ولِيُتَمِّم مُتَطَلَّبات ناموس الله التي فَشِلنا في تَتميمِها، وبذلك يَكون المُمَثِّل الوَحيد عن البَشَرِيَّة في النَّجاح أمامَ الإمتِحانات والتجارب لِيُعطي الصَّلاح والبِر والحَياة الأبَدِيَّة لِكُل مَن يؤمِن بِهِ.

“… فَإِذَا كَانَ الْكَثِيرُونَ بِمَعْصِيَةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ قَدْ مَاتُوا، فَكَمْ بِالأَحْرَى فِي الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ تَتَوَافَرُ لِلْكَثِيرِينَ نِعْمَةُ اللهِ وَالْعَطِيَّةُ الْمَجَّانِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ.”
رسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 15:5


مقالات مُشابِهة

أسماء الله
الصحراء مكان لقاء الله
آيات عن الرجاء
قصة الخلق


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.