birth of jesus blue

يذكُر لنا إنجيل لوقا العديد من المَرّات التي بشَّرَ فيها الملائكة النَّاس بوِلادَة المسيح يسوع. وفي هذا المقال سنذكُر تباعاً كيف تلقَّى كُلّ من هؤلاء النَّاس الخبَر وكيف تفاعلوا معه.

قبلَ ولادة يسوع، هذا الحدَث العظيم الذي يحتفل به المسيحيُّون كل سنة، بشَّر الملائكة العديد من النَّاس بهذا الخبَر قائلين لهم أنَّ المسيح المُنتظَر سيولَد في مدينة صَغيرة في بَيت لَحم كما تنبَّأ النَّبي ميخا وإشَعياء والعديد من الأنبياء… كان لهذه البِشارة وَقع خاص على كل من سمعها.

بشارة الملاك لمريم العذراء

كانت مريم العذراء فتاة في سِنّ الزَّواج مَخطوبة لرَجُل اسمهُ يوسف وكانا يُحَضِّرانِ لزَواجِهما. وفي إحدى الأيَّام ظهر لها ملاك وقال لها:

“«…سَلاَمٌ، أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! الرَّبُّ مَعَكِ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ بَيْنَ النِّسَاءِ».” (إنجيل لوقا 28:1)

فاستغرَبت في بادئ الأمر من تحيَّة الملاك لها، لكنَّ الملاك طمأنَها وأعلنَ لها البِشارة السَّارَّة قائلاً:

“…لاَ تَخَافِي يَامَرْيَمُ، فَإِنَّكِ قَدْ نِلْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ! وَها أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْناً، وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. إِنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيَمْنَحُهُ الرَّبُ الإِلهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيهِ، فَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلَنْ يَكُونَ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ. فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا، وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟» فَأَجَابَهَا الْمَلاَكُ: «الرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُدْرَةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ. لِذلِكَ أَيْضاً فَالْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.” (إنجيل لوقا 30:1-35)

evangelism in arabic

فتاة مخطوبة في تلك الأيام ستحبَل دون أن تَتمّ مراسِم زفافها مع زوجها، هذا الأمر سيُعرِّضها للرَّجم والمَوت، ومن الطَّبيعي لفَتاة في مثل حالتها أن تتردَّد أو تَرفُض دعوة الملاك لها، لكن هذه الفتاة الشَّابَّة وَثِقَت بالرَّب وآمنَت أنَّهُ قادِر على تتميم وَعده بأن يُنجِب منها هذا الطِّفل المُبارَك، وقد أيقنَت أنَّ تتميم هذا العمل العظيم يستحقّ كل تضحِية ومُعاناة منها، لذلك كان جوابها للملاك:

“«…هَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَمَا تَقُولُ!»” (إنجيل لوقا 38:1)

رسالة الملاك تضمَّنت إعلان مُهم يُخبِرنا عن هويَّة المَولود الذي ستَحبل به مريم دون تدَخُّل رَجُل، فهو سيُدعى “قُدُّوس”، الاِسم الذي أُطلِقَ على الله في العهد القديم، وهو سيُدعى “اِبن العَلِيّ” لأنَّهُ يُشارِك الآب السَّماوي في الطَّبيعة الإلهيَّة. هذا المَولود هو المُخلِّص الذي سيَجلِس على عرش مملكتهِ الرُّوحيَّة التي أسَّسها ويَسود فيها على المؤمنين ويُساعدهم على تتميم البِشارة وانتشار مَلكوتهِ إلى حين مجيئهِ الثَّاني الذي فيه ستَسجُد لهُ كل رُكبة وسيَعترِف كل لِسان بأنَّ “يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ الرَّبُّ، لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (رسالة بولس إلى أهل فيلبّي 11:2)

رسالة البِشارة هذه تُخبِرنا بهويَّة المَولود الذي سيصنَع فداءً لكي يُخلِّص كُل من يؤمن به. ثِق بالرَّب وسَلِّم حياتك له، واتَّكِل على صِدق وعوده دونَ ترَدُّد كما فعلَت مريم.


الفتاة الشَّابَّة وَثِقَت بالرَّب وآمنَت أنَّهُ قادِر على تتميم وَعده


البشارة إلى يوسف النجار

هو رَجُل على وَشك الزَّواج من عذراء شابَّة اسمها مريم، لكنَّهُ يكتشِف أنَّها حُبلى قبل أن يتزوَّجا، فهي كانت لا تزال خَطيبته. من الطَّبيعي لأيّ رَجُل في مكانهِ أن يظنّ أنَّها زانِية، وبحسب الشَّريعة يجب أن تُحاكَم ومَصيرها كان الرَّجم حتى الموت، لكن ما حصل مع يوسف كان غير عادي، فهو لم يُرِد أن يُشَهِّر بها أو أن يؤذيها بل أراد أن يترُكها سِرّاً. لماذا فعل ذلك؟ يُخبِرنا الكتاب المُقدَّس بالسَّبب عبر قوله:

“وَإِذْ كَانَ يُوسُفُ خَطِيبُهَا رَجُلاً صَالِحاً…” (إنجيل متَّى 19:1)

لكن قد يقول قائل أنَّ الصَّلاح هو عبر تتميم الشَّريعة أي أن يُسَلِّمها يوسف للمُحاكَمة وفق النَّاموس. لكن هكذا استنتاج يتجاهَل الرِّسالة العامَّة للكتاب المُقدَّس، أنَّ الصَّلاح أو البِرّ هو بالإيمان كما قال الوَحي عن إبراهيم وليسَ بأعمال النَّاموس:

“فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسَبَهُ لَهُ بِرّاً” (سِفر التَّكوين 6:15)

وأن هدَف الشَّريعة الرَّئيسي هو تحضيرنا للمسيح وإرشادنا إليه (غلاطية 24:3)، حتّى الأحكام التي كانت تنصّ على العقوبات هي لكي تُظهِر لنا أنَّ علينا تحمُّل نتائج خطايانا وأنّ العقوبة أحيانا هي الموت، في حين أنَّ العهد الجديد يُخبرنا أنَّ المسيح هو من تحمَّل ذلك بدلاً عنا.

لا شَكّ أنَّ يوسف صدَّق مريم بسبب إيمانهِ بمَواعيد الله التي أعلنَها لأنبيائهِ بأنَّهُ سيُرسِل المسيح المُخلِّص، لذلك لم يُرِد يوسف أذِيَّة مريم، لكن في نفس الوَقت يبدو أنَّهُ كان مُتردِّداً، لأنَّهُ أرادَ أن يترُكها، وما يُثبِت لنا تَردُّده قَول البَشير متَّى:

“وَبَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي الأَمْرِ…” (إنجيل متَّى 20:1)


لا شَكّ أنَّ يوسف صدَّق مريم بسبب إيمانهِ بمَواعيد الله


الله لن يترُكنا في لحظة الحيرة بل سيُرسِل لنا الجَواب اليَقين، وهذا ما حصل مع يوسف إذ أرسلَ لهُ الله الجواب اليَقين عبر المَلاك الذي قال له:

“«يَايُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ! لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْتِيَ بِمَرْيَمَ عَرُوسِكَ إِلَى بَيْتِكَ، لأَنَّ الَّذِي هِيَ حُبْلَى بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْناً، وَأَنْتَ تُسَمِّيهِ يَسُوعَ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ». حَدَثَ هَذَا كُلُّهُ لِيَتِمَّ مَا قَالَهُ الرَّبُّ بِلِسَانِ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هَا إِنَّ الْعَذْرَاءَ تَحْبَلُ، وَتَلِدُ ابْناً، وَيُدْعَى عِمَّانُوئِيلَ!» أَيِ «اللهُ مَعَنَا». وَلَمَّا نَهَضَ يُوسُفُ مِنْ نَوْمِهِ، فَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مَلاكُ الرَّبِّ؛ فَأَتَى بِعَرُوسِهِ إِلَى بَيْتِهِ. وَلكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْناً، فَسَمَّاهُ يَسُوعَ.” (إنجيل متَّى 20:1-25)

ذكَّرَ الملاك يوسف بالنُّبوات عبر ذِكره لهُ نصّاً من الكتاب المُقدَّس، والذي يبدو أنَّ يوسف كان يعرفهُ جيّداً.

هل أنت في حيرة؟ صَلِّ إلى الله واطلُب منهُ التَّعزِية والرَّجاء، وإله كل تَعزِية ورَبّ كل رَجاء سوف يُجيب طلبَتك. آمِن وصدِّق مواعيده، وثِق في تَوقيته.

بشارة الميلاد إلى الرعاة

نَوبة ليليَّة في العَراء يتحمَّل فيها الرَّاعي مشقَّة الاهتِمام بالأغنام، مُحتَمِلاً البَرد القارِس مُخاطِراً بحياتهِ مع وجود حيوانات ضارِية في البرِّيَّة. يَتناوَب أكثر من راعي على هذا العمل لكي يُريحوا بعضهُم بعضاً لأنَّهُ عمَل مُضني وشاقّ. وفي إحدى ليالي عمَل الرُّعاة في أورشَليم، ظهَر لهُم فجأة مَلاكٌ من السَّماء ومَجدُ الرَّب أضاءَ حَولهُم فأرعَب هذا المشهَد الرُّعاة، إلَّا أنَّ المَلاك طَمأنهُم قائلاً لهُم:

“لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَعُمُّ الشَّعْبَ كُلَّهُ.” (إنجيل لوقا 10:2)

ماذا سيتوقَّع رُعاة يَبيتون في العَراء عندما يَسمعون أحَد يُريد أن يُبشِّرهم بفرَح عظيم؟ ربَّما كان حالهُم كَحال من وجدَ فانوس سِحري وفيه جنِّي سيُحقِّق الأماني. هكذا ربَّما ظنَّ أحَدهم، فظهور مَلاك في السَّماء وإعلانه بأنَّهُ سيُخبِرهُم بما سَيسُرّ قُلوبهم، ربَّما جَعلهم يُفكِّرون “بالبَحبوحة” المادِّيَّة، أو بتأمين عمَل أفضل لهُم ومَركز أسمى في المُجتمَع، وهذا طبيعي في مثل وَضعهم. لكن الخبَر السَّعيد الذي يَحمِلهُ لهُم المَلاك كان:

“فَقَدْ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ” (إنجيل لوقا 11:2)

على الرَّغم من أنَّ الخبَر لا يحمِل في طيَّاتهِ أيّ من الأماني الطَّبيعيَّة لرُعاة الغنَم إلَّا أنَّهُ كان كَفيلاً بأن يُسعِدهُم، فَسارَعوا إلى بَيت لَحم (مَدينة داوُد) لرؤيَة هذا الطِّفل المُخَلِّص المَوعود.

كان الشَّعب حينها يَتنظِر تَتميم وعود الرَّب وبرَكة افتِقادهِ لشَعبهِ، وقد فَرِحَ الرُّعاة بهذا الخبَر أكثر من أيّ شيء آخَر.

يقول يسوع: فَحَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ، هُنَاكَ أَيْضاً يَكُونُ قَلْبُكَ! (إنجيل متَّى 21:6)

أين هو كَنزُك؟ إن كان في الأُمور الأرضيَّة! ففَرَحها وَقتيٌّ وزائِل، لكن إن كان في السَّماوِيَّات أي عبر افتِقاد الرَّب لحياتك فهذه هي السَّعادة الحقيقيَّة.

لذلك نحن نُبشِّركُم اليوم بفرَحٍ عظيم لا يُقدَّر بثَمَن، فالمسيح الذي بُشِّرَ فيه الرُّعاة هو من صَنع المُصالَحة بيننا وبين الله، وعبرَ الإيمان بهِ فقط نستطيع أن نَبني عَلاقَتنا الرُّوحيَّة الحيَّة مع الخالِق ونضمَن حياتنا معهُ في السَّماء إلى الأبَد.

man with out streatched arms at sunrise

الكاتب: الأخ فرح

Theologian, Minister


مقالات مُشابِهة

قصة الملائكة
آيات عن عيد الميلاد
تأملات عيد الميلاد: عيون الإيمان


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.