شجرة الحياة

قد يظنّ البعض أنَّ النُّضج في الحياة يقتصر على الأشخاص المتقدِّمين في العمر فقط، وأنَّ الشَّباب في السِّنين الفتيَّة لا يتوفَّر لديهم النُّضج الكافي. هذا الأمر صحيح بشكل عام، لكن يجب أن لا ننسى أنَّ التَّربية الصَّحيحة تُعطي نُضجاً مبكِّراً للإنسان، كما أنَّ الحياة الرُّوحيَّة الصَّحيحة تُعطي نُضجاً روحيّاً مبكِّراً للمؤمن.

بإمكاننا تعريف الشَّخص النَّاضج على أنَّه من يعرِف كيف يتصرَّف بشكلٍ سليم في مختلف المواقف والظُّروف والحالات، كَونه أصبح يُدرِك أكثر الصَّح من الخطأ وطريقة تفكير البشر من حوله. أمَّا الإنسان النَّاضج روحيّاً فهو من يسلُك بثقة وإيمان مع الرَّب ويشعُر بسلامهِ حتَّى ولو بدَت الظُّروف من حوله لا تدعو للسَّلام، وذلك لأنَّه نَما في علاقته مع الرَّب وأصبحَ مُدرِكاً أكثر للحقائق الرُّوحيَّة والمشيئة الإلهيَّة.

في الكتاب المقدَّس يوجد العديد من الشَّخصيَّات التي نضَجت روحيّاً في سِنّ مبكِّر، وأحد هذه الشَّخصيَّات هو تيموثاوس الذي كان شابّاً صغيراً في السِّن حينَ أَوكَلَ إليه بولُس الرَّسول مهمَّة روحيَّة صعبة جدَّاً، وهي تصحيح بعض الممارَسات الخاطئة في بعض الكنائس. في الحقيقة هذا الأمر لم يكُن سهلاً لأنَّه يتطلَّب من تيموثاوس الشَّابّ الصَّغير أن يُعلِّم ويقوِّم وربَّما يؤدِّب من هم أكبر منه سنّاً، بل حتَّى من هم أقدَم منه إيماناً. لكن بولُس كان يعلَم أنَّ هذا الأمر قد يُحرِج تيموثاوس ويُثبِط من عزيمته على تتميمه، لذلك شجَّعه بولُس وكتبَ له طالباً منه أن لا يستخِفّ أحد بصِغر سنِّه لأنَّه سيكون كُفؤاً لما أُوكِلَ إليه.
“لاَ يَسْتَخِفْ أَحَدٌ بِحَدَاثَةِ سِنِّكَ. وَإِنَّمَا كُنْ قُدْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فِي الْكَلاَمِ وَالسُّلُوكِ وَالْمَحَبَّةِ وَالإِيمَانِ وَالطَّهَارَةِ.” (رسالة بولُس الأولى إلى تيموثاوس 12:4)

ما الذي جعلَ بولُس يُراهِن على تيموثاوس؟ كان بولُس يعلَم أنَّ تيموثاوس منذُ صِغره يعرف جيِّداً النُّصوص المقدَّسة، فهو تربَّى على الإيمان القويم بفضل والدته وجدَّته، بالإضافة إلى نشأته في مجتمع المؤمنين وانخِراطه بهم منذ طفولته، وهذه الحياة الرُّوحية السَّليمة المبنيَّة على تعاليم الرَّب وكلمته، منحَتهُ نُضوجاً روحيّاً مبكِّراً وهيَّأته لأن يُعلِّم في الكنيسة ويقود المؤمنين نحو الطَّريق الصَّحيح:
“كَمَا أَتَذَكَّرُ إِيمَانَكَ الْخَالِي مِنَ الرِّيَاءِ، هَذَا الإِيمَانَ الَّذِي فِيكَ وَالَّذِي سَكَنَ أَوَّلاً فِي جَدَّتِكَ لُوئِيسَ ثُمَّ فِي أُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَأَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّهُ حَالٌّ فِيكَ أَيْضاً.” (رسالة بولُس الأولى إلى تيموثاوس 5:1)

كان عمل الرُّوح القدُس ظاهِراً بوضوح في حياة تيموثاوس وفي سُلوكه وتصرُّفاته، فالتَّعليم الذي تربَّى عليه لم يكُن بالكلام فقط بل بالأفعال أيضاً. فما نتعلَّمه من المسيح يجب أن يظهَر في حياتنا ويعكس حقيقة إيماننا كي يستخدمنا الرَّب في حياة الآخرين أيضاً. لذلك لا يهُمّ كم عمركَ الآن، وإن كنتَ تعتقد أنَّك ما زِلتَ طفلاً في الإيمان، فالفرصة الآن مُتاحة أمامك كي تنمو في معرفة الرَّب أكثر وتتعلَّم من كلمته المباركة أكثر وأكثر وتنهَل من حِكمته كي تصبح ناضجاً في إيمانك وتكون مُهيَّأً لمواجهة شتَّى الظُّروف وتحمُّل المسؤوليَّات.

الكاتب: الأخت مريم

Writer & Poet


مقالات مُشابِهة

لقد ولدنا أنقياء من جدي
الفرح والسلام الحقيقي
أقوال مسيحية شهيرة


تبغى تتواصل مع مسيحي؟ تواصل معنا بكل امان الحين.