animation of man kneeling before an altar with a sheep on it in the temple

يتعَلَّق اِسم موسى النَّبي بالتَّوراة، فنَحنُ اليَوم نَقول “تَوراة موسى”، لأنَّهُ هو الذي كانَ وَسيط العَهد بينَ الله وبينَ بَني إسرائيل، وهو الذي سَلَّمَ الشَّعب الوَصايا التي تَسَلَّمَها بِنَفسِهِ من الله. “تَوارة” كَلِمة عِبرِيَّة وتَعني الطَّريق الذي يَجِب على المَرء أن يَسلُكهُ ، لذلك يَستَخدِم مَعها الوَحي تَعابير توحي بالإرشاد نَحوَ الطَّريق، كقَول الوَحي: “السُّلوك في النَّاموس” (سِفر الخُروج 4:16)، والمَعنى هو اتِّباع الطَّريق التي أعلَنَها الرَّب لأنَّها تُسَمَّى أيضاً طَريق الرَّب (سِفر القُضاة 22:2)، ويُطالِب الرَّب الشَّعب بأن لا يَحيدوا عَنها يَميناً وَلا يَساراً (سِفر التَّثنِية 32:5)، وأن يَسلُكوا في طَريقٍ مُستَقيم عبرَ طاعَة التَّوراة. تُتَرجَم كَلِمَة “التَّوراة” في النُّسَخ العَرَبِيَّة بكَلِمَة “النَّاموس” أو “الشَّريعة”، وتتضَمَّن التَّعاليم والشَّرائِع التي أعطاها الله للشَّعب لِكَي يُطَبِّقوها في حَياتِهِم.

يحتوي الناموس على ثلاثة أنواع من الوصايا

النَّاموس الأدَبي: هو شَرائِع أدَبِيَّة أخلاقِيَّة تُحَرِّم عِبادَة إله آخَر غَير الله، ووَصايا تُعَلِّم البَشَر كيفَ يتَصَرَّفوا مع بَعضِهِم البَعض (لا تَقتُل، لا تَزنِ، لا تَسرِق…) يَعكِس النَّاموس الأدَبي طَبيعَة الله، إذ إنَّهُ يُطالِب البَشَر بالسُّلوك الحَسَن لِكَي يُظهِروا صِفات إلهِهِم كالمَحَبَّة والعَدالة، وهو مُلزِم لِجَميع للمؤمِنين عبرَ كُل العُصور. دائِماً ما أظهَرَ الله تَفَوُّق هذا الجُزء من النَّاموس على غَيرِهِ إذ قال:

“إِنِّي أَطْلُبُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَتِي أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْرَقَاتِ.”
سِفر هوشَع 6:6

طَلَبْ الرَّب هذا يؤكِّد مَعرِفَة الشَّعب بالفَرق بينَ الرَّحمة (كَعَمَل أخلاقي) والذَّبيحة (كَعَمَل طَقسي)، وبذلك نَرى أنَّ الله يُفَضِّل الجانِب الأخلاقي من النَّاموس على الجانِب الطَّقسي.

النَّاموس الطَّقسي: يتَضَمَّن تَعليمات خاصَّة بمُمارَسات العِبادة من طُقوس وفَرائِض (قَرابين، نُذورات، كَهَنوت…)، وهذهِ الفَرائِض كانَت ظِلّاً ورَمزاً لِعَمَل المَسيح الذي تَمَّمَ النَّاموس وحَرَّرَنا من تِلكَ الطُّقوس،

“إِذْ قَدْ مَحَا صَكَّ الْفَرَائِضِ الْمَكْتُوبَ عَلَيْنَا وَالْمُنَاقِضَ لِمَصْلَحَتِنَا، بَلْ إِنَّهُ قَدْ أَزَالَهُ مِنَ الْوَسَطِ، مُسَمِّراً إِيَّاهُ عَلَى الصَّلِيبِ”.
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل كولوسّي 14:2

النَّاموس المَدَني: يحتَوي على وَصايا تتضَمَّن قانون مَدَني لِكَي يَحكُم القادة آنَذاك الشَّعب على ضَوئِهِ (إصدار الأحكام في قَضايا القَتل والسَّرِقة، وأُمور البَيع والشِّراء…)، وهو قانون خاص ببِناء الدَّولة المَدَنِيَّة التي عاشَ بِها الشَّعب في العَهد القَديم، وهذهِ الوَصايا غَير مُلزِمة لمُؤمِني العَهد الجَديد.

تُلَخِّص الوَصايا العَشر النَّاموس الأدَبي الأخلاقي الذي أعلَنَهُ الله (سِفر الخٌروج 1:20-17)، فَكُل الوَصايا المَذكورة في أسفار الشَّريعة مُتَفَرِّعة من الوَصايا العَشرة. سَألَ أحَدهُم مَرَّةً يسوع عن أيَّة وَصِيَّة هيَ الأهَمّ في النَّاموس، فكانَت إجابَة يسوع كالتَّالي:

يَامُعَلِّمُ، مَا هِيَ الْوَصِيَّةُ الْعُظْمَى فِي الشَّرِيعَةِ؟ فَأَجَابَهُ: أَحِبّ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَكُلِّ نَفْسِكَ وَكُلِّ فِكْرِكَ، هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الْعُظْمَى الأُولَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: أَحِبّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ! بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ تَتَعَلَّقُ الشَّرِيعَةُ وَكُتُبُ الأَنْبِيَاءِ!
إنجيل متَّى 36:22-40

لَخَّصَ يسوع النَّاموس كُلّهُ بِهاتَين الوَصِيَّتَين، فَكُل الوَصايا المَوجودة في النَّاموس مُتَعَلِّقة بالمَحَبَّة التي هي الأساس ونُقطة الإنطلاق لِباقي الوَصايا. فمحَبَّتي لِقَريبي تَمنَعني من سَرِقَتِهِ أو قَتلِهِ أو اشتِهاء مُقتَنَياتِه، كَما أنَّ مَحَبَّتي للرَّب ستَقودني حَتماً لِطاعَتِه.

ما هو الهدف من الناموس؟

طاعَة النَّاموس كانَت من المُفتَرَض أن تُوَفِّر للشَّعب بَرَكات زَمَنِيَّة (سِفر التَّثنِية 1:4)، وأن يَكون سُلوك الشَّعب مِثالاً وقُدوة يُحتَذى بِها من الشُّعوب الأُخرى (سِفر التَّثنِية 6:4)، في حين أنَّ طاعَة النَّاموس كانَت تُوَفِّر للشَّعب بَرَكات أرضِيَّة لكِنَّها لم تَعِد الشَّعب أنَّهُ سَيَحصُل على الحَياة الأبَدِيَّة في السَّماء إن أطاعَها. لكِن المُشكِلَة هي أنَّ الشَّعب لم يُطِع الرَّب، حَيثُ يُذَكِّرنا الكِتاب المُقدَّس مِراراً وتَكراراً أنَّ الشَّعب فَشِلَ في طاعَة النَّاموس ولم يَسلُك في الطَّريق الذي أعلَنَهُ الرَّب. يؤكِّد لنا العَهد الجَديد فِكرَة أنَّ الهَدَف من طاعَة النَّاموس لم يَكُن حُصول البَشَر على الحَياة الأبَدِيَّة:

“فإِنَّ أَحَداً مِنَ الْبَشَرِ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ بِالأَعْمَالِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الشَّرِيعَة…”
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 20:3

فالبَشَر عاجِزون تَماماً عن تَتميم وَصايا النَّاموس لأنَّ الإنسان مَيِّت روحِيّاً، ومُنفَصِل عن الله بِسَبَب السُّقوط الذي حَصَل إثر خَطيئة آدَم:

” فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ رُوحِيَّةٌ؛ وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ بِيعَ عَبْداً لِلْخَطِيئَةِ… لأَنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّهُ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، لاَ يَسْكُنُ الصَّلاَحُ: فَأَنْ أُرِيدَ الصَّلاَحَ ذَلِكَ مُتَوَفِّرٌ لَدَيَّ؛ وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَهُ، فَذَلِكَ لاَ أَسْتَطِيعُهُ”.
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 18،14:7

لكن إن لم تَكُن الشَّريعة قادِرة على أن تؤمِّن الخَلاص فَما الغاية مِنها إذاً؟ وإلى ماذا كانَت تَرمي هذهِ الوَصايا؟
سَنُعَدِّد أربَعة أُمور أوضَحَتها لَنا الشَّريعة:

  1. أظهَرَت لنا خَطايانا

“إِذْ إِنَّ الشَّرِيعَةَ هِيَ لإِظْهَارِ الْخَطِيئَةِ”
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 20:3

فالنَّاموس يُظهِر لي خَطيئَتي ويُذَكِّرني بِذَنبي، وبذلكَ يُصبِحَ النَّاموس كالمِرآة بالنِّسبة لنا، فنَنظُر إليهِ ونُلاحِظ عَجزنا وضَعفنا، ونُدرِك فَشَلنا في طاعَة الرَّب. في حين أنَّ الرَّب أرادَ أن يُعَرِّف الشَّعب الصَّواب من الخَطَأ من خِلال النَّاموس، لكن هذهِ الشَّريعة التي تُعطي تَوجيهات للشَّعب أصبَحَت هيَ نَفسَها سَبَب إدانة لَهُم نَظَراً لِعَجزِهِم عن طاعَتِها، كَما يُفَسِّر بولُس الرَّسول ذلكَ بِقَولِهِ :

لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ:«لاَ تَشْتَهِ».
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 7:7

  1. أنتَجَت الغَضَب الإلهي

لأَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا تُنْتِجُ الْغَضَبَ؛ فَلَوْلاَ الشَّرِيعَةُ لَمَا ظَهَرَتِ الْمُخَالَفَةُ.
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 15:4

عِندَما يَفشَل أحَد بِطاعَة الله، يتَحَتَّم عليهِ أن يُحاسَب على ذَنبِهِ، فَمُخالَفَة النَّاموس هي إهانة لله بِشَكل مُباشَر:

أَتُهِينُ اللهَ بِمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ؟”
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 23:2

مِمَّا يَقودنا إلى النُّقطة الثَّالِثة وهيَ أنَّ الشَّريعة أيضاً:

  1. جَلَبَت علينا القَصاص

وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَقُولُهُ الشَّرِيعَةُ إِنَّمَا تُخَاطِبُ بِهِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ الشَّرِيعَةِ، لِكَيْ يُسَدَّ كُلُّ فَمٍ وَيَقَعَ الْعَالَمُ كُلُّهُ تَحْتَ دَيْنُونَةٍ مِنَ اللهِ.
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 19:3

كَون الإنسان عاجِز عن تَتميم الشَّريعة فهذا يَضَعهُ تَحت دَينونة وقَصاص مِنَ الله.

  1. جَعَلَت الجَميع تحتَ اللَّعنة

لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ».
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل غَلاطية 10:3

يَقتَبِس هُنا بولُس الرَّسول مِنَ التَّوراة نَفسَها (سِفر التَّثنِية 26:27) بالقَول إنَّها تُحَتِّم اللَّعنة على كُل مَن لا يَعمَل بِها.

ما هي الغاية من كل هذا؟

أمامَ عَجز البَشَر عن تَتميم ما هو مَكتوب في الشَّريعة إذ أخطَأَ الجَميع نحوَ الله مُستَحِقّينَ العِقاب العادِل، أتى المَسيح وأطاعَ جَميع وَصايا النَّاموس بِلا لَوم، فَهو لم يتَعَدَّى على النَّاموس، كَما أنَّهُ ليسَ مِن نَسل آدَم لِكَي يَرِث الخَطيئة بَل وُلِدَ مِن عَذراء. عاشَ بِلا خَطيئة، مُتَمِّماً بذلك النَّاموس الذي فَشلِنا نَحنُ في تَتميمِه. يُعطينا بولُس الخُلاصة لهذهِ المَسأَلة التي عالَجَها في رِسالتِه إلى أهل روما بِقَولِهِ:

” فَإِنَّ غَايَةَ الشَّرِيعَةِ هِيَ الْمَسِيحُ لِتَبْرِيرِ كُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ.”
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 4:10

يَقول جون ماك آرثر في تَفسيرِهِ لهذهِ الآية: “قَصَدَ بولُس أنَّ الإيمان بالمَسيح على أنَّهُ الرَّب والمُخَلِّص يَضَع نِهاية لِمَسعى الخاطِئ الباطِل في إثر البِرّ بِواسِطَة مُحاوَلاتِهِ النَّاقِصة لِتَخليص نَفسِهِ بِمَجهوداتِهِ في سَبيل طاعَة النَّاموس”.

كما توضِح هذهِ الآية أنَّهُ بينَما كُنَّا عاجِزين عن إرضاء الله بأعمال النَّاموس، ظَهَرَت نِعمَة الله لنا بالمَسيح يسوع الذي هو الغاية الرَّئيسِيَّة للنَّاموس. لِكَي يتَمَجَّد الله بالمَسيح ولِكَي يَستَخدِم ذلكَ لِخَلاص البَشَر:

“أَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِيَسُوعَ رَبّاً، وَآمَنْتَ فِي قَلْبِكَ بِأَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، نِلْتَ الْخَلاصَ. فَإِنَّ الإِيمَانَ فِي القَلْبِ يُؤَدِّي إِلَى الْبِرِّ، وَالاعْتِرَافَ بِالْفَمِ يُؤَيِّدُ الْخَلاَصَ”
رِسالة بولُس الرَّسول إلى أهل روما 9:10-10

الإنسان قَد عَجِزَ عن تَتميم النَّاموس لكي يتَبَرَّر به ويَحصُل على الخَلاص عبرَ طاعَة وَصاياه، لكن إيماننا بالمَسيح يُعطينا البِرّ ونُصبِح بذلكَ كأنَّنا أكمَلنا النَّاموس لأنَّ:

• المَسيح أتَمَّ النَّاموس بالكامِل.
• المَسيح عاشَ حياةً بِلا خَطيئة.
• المَسيح قَدَّمَ نَفسَهُ فِديَةً عن نُفوسِنا.

تَوراة موسى كانَت الإعلان الأوضَح للإرادة المُقَدَّسة للإله القُدُّوس قَبلَ مَجيء المَسيح. وبِكَونِها المِعيار الأسمى لِلحَق فَسَوف تُظهِر عَجز النَّاس لا مَحالة. يُعَبِّر مارتِن لوثر عن هذهِ الحَقيقة بقَولِهِ: “كَون هذهِ الوَصايا هيَ المِعيار الأسمى لِلحَق فهيَ مُناسِبة تَماماً لِكَي تُشعِر الإنسان بِمَدى ابتِعادِهِ عَنها لِتُعطيهِ بذلك إدراكاً لِذُنوبِهِ وخَطاياه”. لكن عِندَما نؤمِن بالمَسيح نتَبَرَّر عبرَ هذا الإيمان، إذ نُعتَبَر صالِحين بِسَبَب بِرِّهِ الذي يُحسَب لنا بِفَضل نِعمَة الله، وتُغفَر ذُنوبنا بِناءً على فِداء المَسيح، وبهذا تتلَخَّص نِعمَة الله ورِسالة الإنجيل لِبَني البَشَر.

لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا.
إنجيل يوحَنَّا 17:1


مقالات مُشابِهة

ماذا تعني النعمة في المسيحية؟
كيف يعطي الله النعمة؟
ما هي النعمة؟
الطاعة في الكتاب المقدس


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.