لماذا وَصَلَ الحال بالنَّاس في كَثير من الأحيان إلى تَرداد مَقولَة “القَناعة كَنزٌ لا يَفنى”؟ رُبَّما لأنَّ هذه الجُّملة تُعَبِّر عن واقِعٍ مُعاش اختَبَرَهُ الكَثيرون. فالعَجز البَشَري في الحُصول على الاِكتِفاء في هذه الدُّنيا جَعَلَ الاِقتِناع بواقِع الحال فَضيلة وأَمر لا بُدَّ مِنهُ.

يقول بولُس الرَّسول: “أَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ.” (رسالة بولُس الأولى إلى تيموثاوُس 6:6)

في الزَّمَن الذي عاشَ فيه بولُس الرَّسول كانَ من الشَّائِع لدى الحُكَماء تِلكَ الأيَّام أنَّ النَّاس يجب أن يَكونوا قَنوعين بواقعِهم وعالِمين أنَّهُم لا يَحتاجونَ لشيءٍ سِوى ما أمَّنَت لهُم الطَّبيعة من حَولهِم. لذلك نجِد أنَّهُ لَطالما وَجَدَ النَّاس في الاِكتِفاء فَضيلة، وهذا الأمر لا يَقتَصِر على شَعب مُحَدَّد في فَترة زَمَنِيَّة مُعَيَّنة بَل على كُل الشُّعوب في جَميع العُصور.

تَقوى الله يجب أن تَكون مُقتَرِنة بالقَناعة أيضاً، فالرَّب هو صاحِب السُّلطان المُطلَق ولا شَيء يَتِم إلَّا بعِلمِه، ونحنُ كمؤمنين يجب أن نَثِق بصَلاح الله ونؤمن بتَدبيرهِ. وعلينا أن نَتَّكِل عليهِ ونَنتَظِره، لأنَّ أفكارَنا ليسَت كأفكاره ولا طُرُقنا كَطُرُقه. لذلك يجب أن نَنتَظِر استِجابَتهُ على طلباتنا بوَداعة لأنَّهُ يتأنَّى أحياناً في الاِستِجابة وهذا أَمر طَبيعي فهو يعرِف الأفضَل لنا، ورؤيتهُ للأُمور تَختَلِف عن رؤيَتِنا.

يُعَلِّم بولُس الرَّسول عن هذا الأمر لأنَّهُ يَعرِف أنَّ القَناعة والاِكتِفاء تؤمِّن سَعادة للإنسان بالواقِع الذي يَحيا فيه دونَ الحاجة إلى أيّ إضافة أو تَغيير ودونَ الشُّعور بالنُّقصان لأنَّ ذلك سَيُؤَرِّق صَفو ذِهنه ويَجعَلهُ يَتذَمَّر كَونهُ غير راضٍ عَمَّا هو فيه، مِمَّا سيَمنَعهُ من رؤيَة بَرَكات الله عليه.

في الرِّواية الشَّهيرة للكاتِبة الإنكليزيَّة J. K. Rowling نقرأ عن مِرآة سِحرِيَّة تُظهِر لمَن يَنظُر إليها كُل ما يَتَمَنَّاه، ونقرأ أيضاً أنَّهُ حينَ انجَذَبَ إليها أحَد التَّلاميذ واعتادَ أن يَقِف أمامها، حَذَّرَهُ أُستاذهُ من ذلك قائِلاً لهُ: “إنَّ أسعَد النَّاس هُم من يَنظُرونَ إلى أنفُسهِم في هذه المِرآة السِّحرِيَّة ويَرَونَ أنفُسَهُم فيها كما هُم في الواقِع.”* يَقصِد من ذلك أنَّ كُل من يَنظُر إلى نَفسهِ ويُدرِك ويَتَقَبَّل واقِعهُ هو شَخص مُكتَفي وبالتَّالي سَعيد ويَمتَلِك هذا الكَنز الذي لا يَفنى (أي القَناعة).

تَخَيَّل وُجود هكَذا مِرآة في الحَقيقة، وتخيَّل أنَّك واقِف أمامها وأنتَ تَرى أحلامك تتحَقَّق أمام ناظِرَيك، لكنَّكَ حينَ تَحجُب وَجهكَ عنها ستَرى نَفسك في الواقِع الحَقيقي الذي أنتَ فيه مِمَّا سيَعكِس تأثير هذه المِرآة عليك بشَكل سَلبي، فالسَّعادة الوَقتِيَّة التي أنسَتكَ الواقِع لِلَحظة، سَتُعيدكَ إليه لتَجِد واقِعكَ أصعَب أمام سُهولة الأحلام.

الكَنز أمر يَجتَهِد النَّاس للحُصول عليه، فالذي يُريد أن يَكتَنِز لهُ أُمور مادِّيَّة سيَسعى جاهِداً للحُصول عليها بكُل ما تَتطَلَّبهُ من مَجهود وتَكريس ومُخاطَرة، وهذا ما يجعَل مُقارَنَة القَناعة بالكَنز الذي لا يَفنى (أي بالأَمر الغير مادّي)، هي مُقارَنة مُناسِبة جِدّاً للتَّعبير عن هذه الحَقيقة بأنَّ القَناعة التي يَمتَلِكها الإنسان ستَكون لهُ بمَثابَة كَنز ثَمين جِدّاً يُساعِدهُ لكي يكون سَعيداً راضِياً كُل حَياتِه، ليسَ كالكَنز الأرضي الذي يَسعَد بهِ المَرء إلى حين.

وأخيراً يجب أن نُدرِك أنَّ سَعادَتنا ليسَت مُقتَصِرة على تَغَيُّر أحوالِنا بل على قَناعَتنا بأنَّ مَشيئة الله هي صالحة دَوماً لحَياتنا، متمثلين بذلك بقول بولس الرسول:

“…فَأَنَا قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ قَنُوعاً فِي كُلِّ حَالٍ. وَأَعْرِفُ كَيْفَ أَعِيشُ فِي الْعَوَزِ، وَكَيْفَ أَعِيشُ فِي الْوَفْرَةِ. فَإِنِّي، فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، مُتَدَرِّبٌ عَلَى الشَّبَعِ وَعَلَى الْجُوعِ، وَعَلَى الْعَيْشِ فِي الْوَفْرَةِ أَوْ فِي الْعَوَزِ.” (رسالة بولُس إلى أهل فيلِبّي 11:4-12)


مقالات مُشابِهة

البحث عن الكنز الدفين
شعر: يسوع حررني
يسوع أم باراباس؟


أتباع المسيح يتَتَلمذون ويُتَلمذون. إذا لم تكن في علاقة تلمذة مع شخص ما وترغب في أن يقوم أحد بتلمذتك، انقر تحت.